رواية فدى سكينة الفصل الثامن بقلم زينب سمير
مشيت الأيام على وتيرة وحدة، بيهتم بالأرض وبيرتع مع طلال بآبله وأغنامه، يكون كذاب لو قال إنه أتعود
المهمة شاقة لكنه بدأ يألفها، لكن لسة فيـه عائق
هو بيعمل كل ده علشان سكينة، بس هي فين سكينة!
إتنهد وهو بيقول لنفسه- معقول مش هشوفها غير بعد ست شهور، ده كتير أوي
- شكلك إتجنيت بدري
- عبوسة أنت جيت
دخل عباس وملامح العبس باينة على وشـه- قولتلك متنادنيش بالاسم الشين ده تاني عاد
- ما هو بيوصفك ياعبوسة.. ده اللبن بتاع إنهاردة أهو
بص عباس للكمية الوفيرة بدهشـة و- عجائب والله هموت وأعرف كيف بيطلعلك كل هاد وأنت حتى ما بتوكلهم زين!
خمس فراس في وشـه- أبعد بس عينك دي عني
- خـد..
طلع فلوس من جيبه- هيدي تمن بيع اللبن
أخد فراس الفلوس وهو بيبتسم، حطهم لفلوس الأيام اللي فاتت وبدأ يعدهم
- أمم كويس.. كدا أعتقد أقدر اشتري خيمة.. عبوسة ممكن..
رفع راسه لكن عباس كان مشى وأختفى، تأفف بإنذعاج- هو مركب عجل في رجله.. علطول مستعجب كدا
- أنت بتكلم نفسك يافراس
أتعدل في وقفته لما ظهرت كريمة، الأيام اللي فاتت خلت فيه تواصل بينهم أكتر، تواصل سطحي من طرفه..
دخلت وحطت صينية الأكل قدامه، شرح- لا ده بس عباس كان هنا وفجأة أختفى وأنا بكلمه كالعادة
- أه طيب أتفضل هاد غداك
هز راسه بشكر ليها، خفت ملامح مكرها وهي بتساءل بنبرة عادية- بدك شيء من السوق؟ هتمشى عليه بشتي حبة أغراض
ظهرت على ملامحه اللهفة- أنتي عارفة طريقه؟ أنا كنت عايز أروحه
- لو بدك قولي وبشتري اللي تريده
- لا هروح أنا.. ممكن بس تشرحيلي أروح أزاي؟
- فيك تروح معي.. بتتوه لو شرحت لك
ظهر التردد في عيونه، من جهه معاها حق.. ومن جهه تانية
- بس.. لو حد شافك معايا
- ما بيفرق معي، الكل عارف مين كريمة..
هز راسه فقالت- هعدي عليك كمان حبابة.. بنسير للسوق سـوا، بعرف أبوي بس
مشيت وهو قعد ياكل،
في خيمة طلال، واقفة تظبط شالها وتكحل عيونها
دخل طلال عليها وملامحه ظاهر عليها الضيق- ما في روحة للسوق مع فراس ياكريمة
بملامح بريئة مصطنعة- لية بس يابوي.. الراجل قصدني في خدمة بدك اكسر بخاطره
- ما بدنا حدا يشوفه وياكي.. الكل عارف هو هون لأجل مين، الشيخ عساف هيدي المرة ما راح يرحمك
- يابوي الشيخ عساف لساته لهلا ما رضى بيه، كمان أنا ما بعمل شيء أنا بساعد الراجل اللي بده يتزوج أخته.. هيدي جميلة بسويها وياهم
- هيدا هو عرضك ولا لساتك بتفكري بالشين لسكينة؟
- حرمت يابا.. من وقت ما نفونا لهون وأنا حرمت
- لو محرمة ما كنتي تقربي من خطيب البنية
- لساته ما بقى خطيبها.. مين عارف مين بيختار في النهاية
- شكلك رجعتي تحلمي من جديد، تركتي حلم تبقي مرت شيخ القبيلة وهلا طمعانة في ابن الأثرياء.. رجعي لأصلك ياكريمة.. احلمي على قدك يابنتي.. أنتي كريمة بنت طلال
بعصبية وهي بترمي قلم الكحل- بعرف يابوي.. بعرف إني ماني سكينة بنت شيخ القبيلة وهلا أخت الشيخ.. بعرف إني بنت راعي غنم.. بعرف منيح وين أنا وين هي وأمثالها
بس هيدا ما بيمنعني أكون شيء وأحلم إني أغير من حالي.. هي ما فيها شيء زيادة عني لتوقع هيدي الوقعة.. هي البعيدة عنه.. بيحارب وبيعيش هيدي العيشة، شوف كيف صار حاله كيف كان جاي وخلال كام يوم كيف صار.. بيحارب بيجرب أشياء ما فكر فيها بحياته علشانها
وهي.. ببرودها ما فكرت تطمن عليه أبدًا.. ما فكرت تجيه ولا تشيعله رسالة
شوف أنا شلون واقفة جنبه.. بهتم بيه وبأكله.. بساعده بأرضه
هلا مين يستحق فرصة معه أكتر؟
- ما طلبك منك شي
- يمكن ما طلب بس بيوم راح يشوف.. مين وقف معه بمحنته ومين تركته
لسة هيرد عليها لكنها رفعت إيدها توقفه- ما بدي حكي تاني بالله عليك.. كفاية دز فيني
خرجت وهو فضل يبصلها ويتنهد بزعل وحزن..
يمكن كانت تستحق تتحب.. بس هي لية دايمًا تختار قلب مليان وتحاول تفضيه..
أتقابلت كريمة مع فراس ومشيوا للسوق، كان بيحاول يبعد عنها على قد ما يقدر، ويقلل كلام.. لكنها مسابتش ليه فرصة
بل لما قربوا على أطراف القبيلة والزحمة بدأت تقرب منه أكتر، تدلع في مشيتها وحركتها، نزلت شالها علشان يبان وشها
وبسمة واسعة مفارقتش شفايفها
كان شكله مميز بين الكل، بطريقة هدومه الغريبة عنهم وملامحه الوسيمة.. كان معروف مين ده
المغوار اللي جاي علشان يسرق قلب الأميرة سكينة
- لك هيدي كريمة؟ شو مقربه من هاي الحرباية
- نسيته انه بالطرف ساكن.. قريب من الشيخ طلال
- هلا بتلف شباكلها عليه بتسرقه من سكينة بالغصب
- هيدا هلا بده يكسبها لسكينة ولا يخسرها للأبد
اشترى فراس مستلزماته اللي محتاجها، وقفت كريمة عند وحدة بتبيع اكسسوارات، بدأت تنقي فيهم، فراس جنبها باين عليه الملل بيبص حواليه، بصلها لما لفتت إنتباهه بصوتها- شو رأيك بهيدي
بصلها بطرف عينيه و- حلوة..
لمح حاجة فمد إيده يمسكها، بسمة خفيفة ظهرت على وشـه..
كريمة بفرحة وفكرت إنه بيختاره ليها- بياخد العقل هاد الخلخال..
كملت بخجل- لكن ما في..
قاطع كلامها بأفكاره الحالمة- هاخده لسكينة..
بلعت كلمتها وظهرت الصدمة في عيونها، بلعت ريقها وهي بتقول ببسمة مصطنعة- اي اي هو حلو كتير.. بس بتتوقع يعجبها؟ سكينة ما بتلبس هالأشياء الرخيصة
- سكينة مبتفكرش في كدا أبدًا.. أنا متأكد إنه هيعجبها لإنه مني.. بعدين دي هدية عادية بعدين هجيبلها اللي يليق بيها.. لو عايزه أجبلها من ساسها لراسها دهب وألماس هجبلها
ملامحها أتقلبت لكنه لما فاق من شروده وبصلها ببسمة خفيفة حالمة رسمت بسمة مصطنعة وهي بتهز راسها ليه
دفع حساب خلخاله، بص للأسورة اللي كانت هترجعها فقال للست- هناخد دي كمان
كريمة- ما في عوزة ما بدي ياها خلص
حبت ترجعها لكنه مسك إيدها يوقفها ويمنعها بصوت جدي- اعتبريها هدية شكر مني لوقفتك انتي وباباكي طول الفترة دي معايا
جـه يسحب إيده لكن بمنتهى البطل وبسمة مغوية مرتسمة على وشها قلبت إيدها علشان إيدهم تتعانق في لمسة لطيفة
مخدش فراس باله وهو بيدفع للست حسابها بالأيد التانية
جـه يلف راسه لكريمة ويسحب إيده لمحها هناك.. سكينة
واقفة على مقربة منهم وجنبها وداد بتبصله بعيونها الواسعة ونظرتها الساحرة
أبتسم بعدم تصديق.. بحب وأشتياق.. أخيرًا شافها
نطق اسمها بخفوت- سكينة..
لكن صوته سكت لما لمح دموع متحجرة في عيونها.. اللي باصة لإيده وهي في إيد كريمة
سحب إيده بسرعة وكإنه ماسك جمر من نار، سكينة بصتله لمرة أخيرة قبل ما تلف براسها وتمشي
رمقت وداد كريمة بإشمئزاز اللي أبتسمت بمكر قبل ما تمشي ورا سكينة
أنتفض في وقفته يمشي وراها ينادي اسمها- سكينة.. استني ياسكينة..
جرى وراها بخطوات سريعة، هي بتمد في خطواتها وهو بيجري
طلعوا على أطراف السوق شوية، المكان بقى اهدء
جرى لحد ما وقف قصادها يمسكها من دراعها يوقفها وبصوت لاهث- استني ياسكينة
نزلت وداد إيده من عليها ببعض العنف- متمسكهاش إكده.. روح للغندورة اللي كنت وياها
لف يبصلها بحاجب مرفوع وحذرها- متدخليش بينا يا..
بعناد- أدخل ونص.. لا عاش ولا كان اللي يفكر إنه يقدر يآذي سكينة ولا يضَحك عليها.. عساف يمكن غلط لما فكر يديك فرصة تثبت فيها حبك وأنت من أول أختبار فشلت فيه
ضيق حواجبه بجهل- انتي بتقولي اية اختبار اية وفشل اية..
بص لسكينة- كل ده لية؟ سكينة انا مش فاهم حاجة.. كل اللي فاهمه اني بعمل حاجات مش مفهومة علشان حاجة وحدة بس.. علشانك أنتي..
متعرفيش كنت هموت علشان اشوفك أزاي.. متعرفيش انتي وحشاني ازاي
لسة سكينة بتبصله بعيون دامعة.. مش قادرة تصدق كلامه ومش قادرة تكذبه
بس.. وداد نطقت بمخاوفها.. تهاجمه مكانها.. وتعاتبه بصوتها- ياحنين.. ولما هتموت عليها كدا من أول لحظة ملت على كف التانية لية؟ مصاحب الغندرة في الرايحة والجاية لية
- مين الغندورة؟
كشرت وداد عن انيابها وبعصبية- متستغباش ياك.. الـ**** كريمة
نطقت لفظ نابي هو مفهموش.. لكنه حس إنه شتيمة
حس إنه بدأ يحط إيده على مربط الفرس فقال بتوضيح- مفيش أي حاجة بيني وبينها.. دي بنت واحد اسمه طلال الوحيد اللي ساكن قريب مني في المكان اللي حاططني فيه عساف.. هو اللي بيساعدني وهي..
هو نفسه ملاحظ إنه غير الصورة اللي مفروض تكون فيها البنات هنا
جريئة سنة.. نظراتها ماكرة
لكن محطش في باله
- هي بتبقى مع ابوها.. وانهاردة احتجت اني انزل السوق فهي عرضت عليا توصلني
قرب يمسك إيد سكينة- صدقيني ده اللي حصل، مفيش اي حاجة من اللي بتفكري فيها صح.. انا لا يمكن أشوف غيرك
رفعت عيونها الدامعة تبصله هز راسه بوعد
- لو عيزاني مقربش منهم تاني مش هقرب
كمل بصوت هامس- بس خلي عباس يقولي اي حاجة تساعدني.. بدل ما هو بيرميني وسط البحر ويمشي
زمت شفايفها تبصله بشفقة
وأخيرًا خرج صوتها- مكنش لازم توافق يافراس.. كل ده كتير عليك
- بس قليل عليكي.. انا مستعد اعمل اي حاجة بس عساف يرضى ويرتاح ويحس اني اليق بيكي، استني وانا اوعدك هثبت لأخوكي اني بحبك بجد.. وهتجوزك
أبتسمت
وفي اللحظة دي كانت عايزه تقوله
انه اثبتلها وعده القديم.. لما وعدها انه هيثبتها رجولته بطريقته
وانه مش كل الرجالة لازم تكون زي رجالة قبيلتها
لكن صوت وداد الشرس المحذر طلعها من أفكارها- والله اهم حاجة تعملها دلوقتي انك تبعد عن العقربة كريمة
انت متعرفش البنية دي مسمومة قد أيش.. ابعد عنها دي ما بيجي منها خير.. بتآذي اي حدا قريب من سكينة
مسكتها سكينة توقفها بتحذير- وداد خلاص
لكنها كملت بتصميم- لازم يعرف.. البنت دي مش سهلة مش هحذرك اكتر من إكده ولا اقولك شو بتقدر تعمل.. بس بقولك شي واحد لو باقي على سكينة ما بتقرب من كريمة.. يااما بتلاقي انك على يدها خسرت سكينة وكل شيء
مدتلوش فرصة يكمل وسحبت سكينة من إيدها- خلينا نسير.. الشيخ بيقتلني لو بيعرف اني تركتك تتحاوري معاه بنص السوق
مشيت سكينة مع وداد مضطرة لكنها فضلت عيونها تبصله تودعه بنظراتها
وهو بيبص لآثرها لحد ما أختفت من قدامه
إتنهد بعمق وهو بيبتسم.. وكأن المقابلة دي جت علشان تثبتله حاجة وحدة بس
إنه بيحبها وإنه مملش وإنه عنده استعداد يكمل ويعمل اللي اكتر من كدا
طول ما المقابل هي.. سكينة وقرب سكينة
وعلى رأيها اللي بيجرب قرب سكينة ما بيلاقي السكن غير معها
****
بتمر الأيام
وأسوء صفة في فراس إنه مبيقدرش يصدر الوش الخشب قدام حد بيقدمله يـد العون
طلب إنها مبقاش تجبله أكل لكنها مصّرة
متجيش تساعد مع أبوها لكنها مصّرة
تحاول تفتح حوار لكنه بيقفله من سكات.. بتسكت بطريقة تحسسه بالذنب فيرد عليها وهو حاسس بقلة ذوقه
بقيت عارفة شخصيته
هو يمكن مش معجب.. ولا مهتم
لكنه جنتل مان ببساطة، عايز يحط حدود بينهم ومش عارف، إكرامًا لأبوها، ليها، لإنهم الوحيدين اللي ساعده في محنته
فمش عارف يقولها صريحة لكنه بيتنمى تفهم نظراته اللي بتقولها بكل صراحة خليكي بعيدة.. أنا مش مهتم
قرب عباس من أرضه اللي كان واقف فيها فراس مع طلال.. بص عباس بطرف عينه على سكينة اللي قاعدة قريب منهم بشزر
قبل ما يبص لفراس نفس النظرة المعتادة
اللي بتحسس فراس كإنه بيخونه مع كريمة
- في ضيف رايدك في بيت الشيخ
ضيق عيونه بإستفسار وفضول- ضيف.. ضيف مين؟
- تعال معي وبتشوف
- لكن الأرض و..
قاطعته كريمة بنبرة لطيفة- روح معه يافراس وأنا بحلب الأغنام مكانك اليوم
بصلها بشكر وعرفان
بينما رمقها عباس بقرف وإشمئزاز.. مشى جنب فراس يطلعوا من المكان بعد ما همس قرب طلال بصوت خافت
مسمعهوذ طلال لضعف سمعه لكن سمعه فراس- ربـي البنية وأكسف فيها ثواب بدل ما تدخل جهنم على يدها
وفضلت حيرة فراس تزداد.. ليه الكل مش طايقها
ولية الكل بيحذره منها.. حتى عقله وإحساسه الداخلي!
وصل لبيت الشيخ عساف أخيرًا، رفع راسه يبص للبيت
حيث تسكن الأميرة
سأل عباس بفضول- مين بقى الضيف اللي عايزني ده
- انا يافراس
بص قدامه ووسعت عيونه بزهول..
ياترى مين؟
