رواية قدر لا يشبهنا الفصل التاسع
الرجل: أخيرًا يا روفانا... بقالي كتير مستني اللحظة دي.
كانت روفانا بتحاول تبعد عنه بكل قوتها، لكن إيد الراجل كانت قابضة على دراعها، والرجالة اللي حواليها كانوا بيقربوا منها واحد ورا التاني.
روفانا بخوف وغضب: إنتوا مين؟! وعايزين مني إيه؟! أنا معملتش لكم حاجة!
الرجل ببرود: الأسئلة دي مش من اختصاصك دلوقتي.
روفانا: لأ، من اختصاصي! إنتوا خطفتوني من عربيتي، وكنتوا هتجبروني أروح معاكم بالعافية! عايزة أعرف مين اللي ورا كل ده!
ضحك الرجل باستهزاء، ثم أشار لأحد رجاله.
الرجل: خلصونا، وخدوها للعربية.
روفانا وهي بتقاوم: مش هاجي معاكم! ابعدوا عني!
شدها واحد من الرجال ناحية العربية السوداء، فحاولت تثبت رجليها في الأرض، لكن رجلًا آخر أمسك بذراعها التانية.
كانت عارفة إنها مش هتقدر تواجه العدد ده كله بالقوة، مهما حاولت.
لكنها ما كانتش ناوية تستسلم.
عقلها كان بيشتغل بسرعة، وافتكرت الموبايل اللي وقع في العربية، والجهاز اللي شغلته قبل ما يكسروا الزجاج.
كانت قد شغلت صوت صفارة شرطة مسجلًا، ومضبوطة بدايته على تأخير زمني. كانت عارفة إنها مش هتقدر تعتمد عليه وحده، لكنها كانت محتاجة أي فرصة، ولو لثوانٍ معدودة.
بصت للرجال حواليها، وحاولت تخفي إنها مستنية حاجة.
أحدهم بعصبية: إنتِ لسه هتقاومي كتير؟! اتحركي!
روفانا: سيبوني! أنا مش ههرب، بس ابعد إيدك عني!
الرجل اللي قدامها ضحك.
الرجل: أهو ده الكلام العاقل. تعالي معانا بهدوء، ومحدش هيضايقك.
بصت له روفانا باحتقار.
روفانا: إنت فاكرني غبية؟! بعد اللي عملتوه ده، عايزني أصدق إنكم مش هتضايقوني؟!
اتغيرت ملامح الرجل.
الرجل: شكلك محتاجة تتعلمي الأدب!
قرب منها، لكنها رجعت خطوة لورا، وفضلت تقاوم كل ما حد يحاول يسحبها.
كانت الثواني بتمر ببطء شديد.
ثانية...
اتنين...
تلاتة...
وفجأة، انطلق صوت صفارة شرطة مدوية من ناحية العربية.
الرجل: إيه ده؟!
لف واحد منهم بسرعة ناحية الطريق.
التاني: صوت عربية شرطة! جايين منين؟!
الثالث: حد اتصل بالشرطة؟! إحنا لازم نمشي!
ارتبكوا للحظات، وبدأ كل واحد فيهم يبص ناحية مختلفة، محاولًا يحدد مصدر الصوت.
أما روفانا، فكانت اللحظة اللي مستنياها.
شدت دراعها بكل قوتها، وضربت إيد الرجل اللي ماسكها، ولما حاول يمسكها تاني، دفعته بعيد عنها وانطلقت تجري.
الرجل صارخًا: امسكوها! البنت هربت!
التفت الرجال في نفس اللحظة، وبدأوا يجروا وراها.
واحد منهم: هاتيها من الناحية التانية! متخلوهاش توصل للطريق!
لكن روفانا كانت جريت بالفعل لمسافة بعيدة.
كانت بتجري وهي مش شايفة قدامها كويس من الدموع، وأنفاسها متقطعة، وقلبها بيدق بعنف.
كل ما تسمع صوت خطوات وراها، تزود سرعتها.
وكل ما رجليها توجعها، تفتكر إن لو وقفت، ممكن يرجعوا يمسكوها.
روفانا في نفسها: يا رب... يا رب، ساعدني. مش عايزة أرجع معاهم. يا رب، أنا مش عارفة أروح فين!
وصلت لممر ضيق، فدخلت فيه بسرعة، ثم خرجت على مساحة واسعة خلف مبانٍ قديمة.
كانت تقدر تسمع أصوات الرجال من بعيد.
أحدهم: دوروا في كل حتة! مستحيل تكون اختفت!
آخر: الطريق ده مفيهوش مخارج كتير! هنوصل لها!
حاولت روفانا تتوارى خلف أحد الجدران، وغطت فمها بإيدها عشان تمنع صوت أنفاسها.
مرت لحظات طويلة وهي واقفة مكانها، بتراقب الظلال اللي بتتحرك بعيد.
وفجأة، ظهر أحد الرجال عند بداية الممر.
اتجمدت روفانا.
كان بيبص حواليه، وبيتحرك ببطء، وكل خطوة بيقربها كانت بتزود خوفها.
ضغطت على نفسها عشان ما تتحركش، لحد ما الرجل وقف للحظة، ثم لف ناحية تانية وابتعد.
أول ما اختفى من مجال رؤيتها، خرجت روفانا من مخبئها، وبدأت تجري من جديد.
لكن المرة دي، كانت رجليها بتوجعها بشدة.
حاولت تستمر، لحد ما وصلت لطريق ترابي طويل، مفيهوش حركة تقريبًا.
بصت وراها.
محدش ظاهر.
بصت قدامها.
مفيش غير الطريق الممتد وسط الظلام.
ما كانتش تعرف هي فين، ولا المكان ده بعيد قد إيه عن المدينة، ولا إذا كان الخاطفون هيقدروا يوصلوا لها تاني.
لكنها كانت بعيدة عنهم، وده كان كفاية يخليها تقدر تقف أخيرًا.
استندت على حائط قديم، وحاولت تلتقط أنفاسها.
روفانا بصوت متقطع: أنا... أنا مش قادرة.
نزلت ببطء لحد ما قعدت على الأرض، وضمت دراعها لصدرها.
في البداية، حاولت تمنع دموعها.
قالت لنفسها إنها لازم تكون قوية، وإنها لازم تفكر إزاي تخرج من المكان ده.
لكن بعد ثوانٍ، انهارت.
غطت وشها بإيديها، وفضلت تبكي.
ما كانتش بتبكي بسبب الخدش في دراعها، ولا بسبب هدومها اللي اتبهدلت، ولا حتى بسبب التعب اللي حاسة بيه.
كانت بتبكي لأنها لأول مرة في حياتها تحس إنها عاجزة تمامًا عن حماية نفسها.
طول عمرها كانت بتواجه المشاكل، وبتاخد قراراتها بنفسها، وبتقف قدام أي حد يحاول يفرض عليها حاجة.
لكن اللي حصل النهارده كان مختلفًا.
الرجال كانوا كتار، وكانوا مصممين ياخدوها، ولولا الصوت اللي شتتهم في اللحظة الأخيرة، ما كانتش عارفة إيه اللي كان ممكن يحصل لها.
رفعت وشها للسما، وكانت عينيها مليانة دموع.
روفانا: يا رب... أنا مش عارفة أنا فين. ومش عارفة أرجع إزاي. حتى تليفوني مش معايا...
سكتت لحظة، ثم افتكرت أسلم.
أسلم اللي كانت رايحة تقابله وهي فرحانة، عشان تحتفل معاه بأول يوم ليه في الشغل الجديد.
أسلم اللي كانت آخر مكالمة بينها وبينه قبل ما الخاطفين ياخدوها.
وأسلم اللي وعدها إنه مش هيسيبها.
نزلت دموعها أكتر.
روفانا: يا رب، خليه يلاقيني... أنا مش عايزة حاجة تانية. بس خليه يعرف إني بخير. خليه يعرف إني لسه هنا.
فضلت تدعي وهي قاعدة في مكانها، لحد ما بدأت تحس بالبرد، فضمّت ذراعيها حول نفسها، وحاولت تستجمع قوتها.
ما كانش قدامها غير إنها تستنى طلوع النهار، أو تسمع صوت حد يقدر يساعدها.
لكنها ما كانتش تعرف إن الشخص اللي بتدعي إنه يلاقيها، كان بالفعل بيقلب الدنيا عليها.
في الناحية التانية...
كان أسلم سايق دراجته النارية بسرعة، وعينيه بتتنقل بين الطريق والموبايل اللي مثبت عليه موقع روفانا.
كل شوية يبص للموقع، وبعدين يتصل بيها.
أسلم: ردي يا روفانا... أرجوكي ردي.
رن الموبايل، لكن مفيش إجابة.
قفل المكالمة، واستنى ثواني، ثم اتصل تاني.
نفس النتيجة.
ضرب بإيده على عجلة القيادة.
أسلم بعصبية: يا رب، هي راحت فين؟!
كان لسه من ساعات قليلة بيضحك معاها في التليفون، وهي بتقوله إنها جاية تحتفل معاه بأول يوم شغل.
كان مستنيها، وكان بيفكر هيحكي لها إيه عن يومه، وإزاي مديره أثنى على شغله.
دلوقتي، كل التفاصيل دي اختفت من دماغه.
ما بقاش فارق معاه الشغل، ولا اليوم اللي تعب فيه، ولا حتى الفرصة اللي كان مستنيها من سنين.
كل اللي كان فارق معاه إنه يلاقيها.
رن موبايله فجأة.
كان مينا
.( كان كلمه وحكاله كل حاجة زي ما روفانا طلبت منه و مينا اتأكد الاول اذا كانت روفانا تعرفه ولا ده فخ،
وبالفعل اتأكد بطريقته وقرر يساعده، لان روفانا أخت أقرب صديق ليه وبيعتبرها أخته. )
أسلم: أيوه يا مستر مينا؟!
مينا: إنت وصلت لفين؟!
أسلم: أنا في الطريق للموقع اللي ظهر على تليفونها. بحاول أتصل بيها، بس مفيش رد.
مينا: اسمعني يا أسلم، أنا محتاج أفهم منك كل اللي حصل بالترتيب.
أسلم: هي كانت جاية تقابلني، وبعتت لي إنها اتحركت. بعدها اتصلت بيها عشان أطمن إنها قربت توصل، ولما ردت، سمعت صوتها متوتر جدًا. قالت لي إن فيه ناس قافلين عليها الطريق، وإنهم بيحاولوا يفتحوا العربية.
سكت للحظة، وهو بيفتكر صوتها وهي بتصرخ.
أسلم بصوت مخنوق: وبعدها سمعت صوت زجاج بيتكسر، وكانت بتصرخ... وبعد كده سمعت واحد منهم بيقول إنها لازم توصل لشخص معين، وبعدين الخط اتقطع.
مينا بقلق: شخص معين؟ قال مين هو؟
أسلم: لأ، ما قالش اسم. قال إنه مستني اللحظة دي من زمان، وإنه مش عايز حد يعرف إنها لسه عايشة.
سكت مينا للحظات.
مينا: الكلام ده معناه إن الموضوع مش مجرد خطف عشوائي.
أسلم: أنا عارف يا فندم، وده اللي مخوفني أكتر.
مينا: طب اسمعني، أنا هتحرك دلوقتي، وهكلم كريليس. هنقسم نفسنا وندور عليها. لكن إنت ما تدخلش في مواجهة لوحدك، مهما حصل.
أسلم: حاضر.
قفل أسلم المكالمة، لكنه ما كانش مطمن.
كان حاسس إن الوقت بيهرب منه، وإن كل دقيقة بتعدي ممكن تكون بتبعد روفانا عن فرصة النجاة.
وصل للطريق اللي ظهر على الخريطة، وبدأ يتحرك ببطء، وهو بيفتش بعينيه عن أي علامة تدله عليها.
وبعد فترة، لمح عربية واقفة على جانب الطريق.
قرب منها.
وفجأة، عرفها.
عربية روفانا.
وقف دراجته بسرعة ونزل منها، وقلبه بيدق بعنف.
أسلم: روفانا؟!
لف حوالي العربية، وفتح الباب اللي كان الزجاج بتاعه مكسورًا.
شاف آثار الفوضى جوه، والموبايل اللي كانت بتتكلم منه واقع على المقعد.
مد إيده وأخده.
الشاشة كانت متضررة، لكن الجهاز لسه شغال.
ضغط على سجل المكالمات، وشاف آخر اتصال بينه وبينها.
فضل باصص للاسم للحظات، وكأنه بيتمنى إنها تظهر فجأة من أي مكان وتقول له إن كل ده كان مجرد كابوس.
أسلم بصوت مبحوح: كنتِ هنا من شوية... كنتِ هنا يا روفانا.
لف حواليه، وبدأ ينادي عليها.
أسلم: روفانا! روفانا، إنتِ سامعاني؟!
مفيش رد.
مشى عدة خطوات بعيدًا عن العربية، وفضل ينادي عليها في كل اتجاه.
لكن المكان كان شبه خالٍ، والظلام لسه مغطّي أجزاء كبيرة من الطريق.
رجع ناحية العربية، ورفع الموبايل بتاعه، وحاول يتأكد من آخر موقع ظهر على الشاشة.
الإشارة كانت غير مستقرة، والموقع ما بقاش كافي يحدد مكانها الحالي.
ضرب كفًا بكف.
أسلم: يا رب، أنا المفروض أعمل إيه دلوقتي؟!
للحظة، حس بالعجز.
هو اللي وعدها إنه مش هيسيبها، لكنه حتى مش قادر يعرف هي فين.
غمض عينيه، وأخد نفسًا عميقًا، ثم رفع رأسه.
أسلم: لا... مش هقف هنا. لازم ألاقيها.
أخرج موبايله واتصل بمينا مرة تانية.
أسلم: مستر مينا، أنا وصلت لعربيتها.
مينا: وهي فين؟!
أسلم: مش موجودة. العربية هنا، لكن مفيش أي أثر ليها.
مينا: إحنا قربنا نوصل. ابعتلي الموقع الدقيق اللي إنت واقف فيه.
بعت له أسلم الموقع، وبعدها وقف جنب العربية، وعينيه بتفتش الطريق من جديد.
كان عنده إحساس إن روفانا ممكن تكون قريبة.
لكنه ما كانش يعرف إن الطريق اللي هيمشي فيه بعد دقائق، هو نفسه الطريق اللي روفانا هتلاقي نفسها فيه قبل الفجر.
في الفيلا، كان كريليس بيحاول يتصل بروڤانا للمرة العاشرة تقريبًا.
كل مرة يسمع نفس الرسالة إن الهاتف غير متاح.
كان واقف في الصالة، بيلف في المكان بعصبية، لحد ما رن موبايله.
ظهر اسم مينا على الشاشة.
رد فورًا.
كريليس: أيوه يا مينا؟! عرفت حاجة؟!
مينا: كريليس، لازم تتحرك حالًا. روفانا اتخطفت.
سكت كريليس.
الكلمة كانت واضحة، لكنه احتاج ثواني عشان يستوعب معناها.
كريليس: إنت بتقول إيه؟!
مينا: أسلم كلمني، وحكى لي اللي حصل. هي كانت في طريقها لمقابلته، وفيه ناس قطعوا عليها الطريق وأخدوها.
كريليس بغضب: مين دول؟! وإزاي محدش عرف يلحقها؟!
مينا: لسه ما نعرفش مين ورا الموضوع. لكن أسلم بيتتبع موقع تليفونها، ووصل لعربيتها دلوقتي. لازم نتحرك بسرعة.
كريليس ما استناش يسمع بقية الكلام.
خطف مفاتيحه، وخرج من الفيلا، وهو بيتصل برجاله عشان يجهزوا العربيات.
قبل ما يركب، وقف لحظة وبص ناحية باب الفيلا.
افتكر روفانا وهي نازلة من السلم من ساعات، وابتسامتها اللي كانت مختلفة عن المعتاد.
كان سألها خارجة فين، وهي رفضت تقوله.
وقتها افتكر الموضوع هزارًا عاديًا بينه وبين أخته.
ما كانش يعرف إن خروجها البسيط ده هيتحول لكابوس.
كريليس بصوت منخفض: يا رب، احفظها. دي أختي ومالييش غيرها.
ركب العربية، وانطلق ناحية الموقع اللي بعت له مينا إياه.
وفي الطريق، اتصل به مرة تانية.
كريليس: مينا، أنا قربت أوصل. إنت فين؟
مينا: أنا في الطريق، وهكون عند أسلم خلال دقائق. أول ما نوصل، هنقسم الرجالة ونفتش كل الطرق المحيطة.
كريليس: وأنا مش هسيب حتة إلا لما أدور فيها.
مينا: هنلاقيها يا كريليس.
لكن رغم كلامه، مينا نفسه كان قلقان.
هو يعرف كريليس كويس، ويعرف قد إيه روفانا مهمة بالنسبة له.
ولو حصل لها أي أذى، مش بس كريليس اللي هيتغير.
الموضوع كله ممكن يتحول لمعركة كبيرة، خصوصًا لو كان الشخص اللي ورا الخطف له علاقة بأسرار العائلة أو بأعمالها.
مرت الساعات ببطء شديد.
أسلم ومينا وكريليس وصلوا لنقطة تجمع قريبة من مكان العربية، وبعد ما اتأكدوا من تفاصيل الموقع، بدأوا يقسموا الرجال إلى مجموعات.
مينا: المجموعة الأولى هتفتش الطرق الرئيسية، والتانية هتدخل المناطق الجانبية، والتالتة هتفتش المباني والأراضي القريبة. أي حد يلاقي أثر لروفانا، يبلغنا فورًا.
كريليس: ومحدش يتحرك لوحده بعيد عن باقي المجموعة. لو الخاطفين لسه موجودين، مش عايزين حد يتعرض للخطر.
أسلم كان واقفًا بيسمعهم، لكنه ما كانش قادر يفضل مكانه.
أسلم: أنا هاخد الطريق اللي ورا العربية.
مينا: ليه؟
أسلم: لأنه أقرب طريق جانبي للمكان، ولو روفانا قدرت تهرب منهم، ممكن تكون جريت من الناحية دي.
فكر مينا للحظات، ثم وافق.
مينا: تمام. لكن خلي تليفونك مفتوح، وكلمني كل شوية.
أسلم: حاضر.
كريليس قرب منه، ومسكه من كتفه.
كريليس: أسلم...
لف أسلم ناحيته.
كريليس: أنا عارف إنك خايف عليها، وأنا كمان. بس لو لقيتها، طمني عليها الأول، وبعدها كلمني فورًا.
هز أسلم رأسه.
أسلم: أوعدك.
تحرك كل واحد في اتجاه.
وبدأت الساعات تمر، والليل يقترب من نهايته.
أسلم كان بيتحرك بين المباني القديمة، ويفتش خلف الجدران، وينادي باسمها.
كل ما يشوف مكانًا مناسبًا للاختباء، يقرب منه ويبحث فيه.
كل ما يسمع صوتًا، يلتفت بسرعة.
لكن في كل مرة، ما كانش بيلاقي غير الصمت.
ومع مرور الوقت، بدأ التعب يظهر عليه.
رجليه بقت تقيلة، وأنفاسه بقت أسرع، وملامحه فقدت هدوءها المعتاد.
وقف للحظة عند جانب الطريق، وأخرج موبايله.
فتح محادثته مع روفانا.
كانت آخر رسالة منها لسه موجودة:
«أنا اتحركت أهو، هكون عندك قريب. جهّز نفسك بقى للاحتفال!»
فضل باصص للرسالة طويلًا.
كان ممكن يكونوا دلوقتي قاعدين في مكان هادي، بيتكلموا عن يومه الأول في الشغل، وهي بتضحك على حماسه، وهو بيحكيلها عن الأستاذ مينا.
لكن بدل ده، هو واقف في طريق مهجور، مش عارف هي حية ولا لأ.
نزل رأسه، ومسح وشه بإيده.
أسلم: يا رب، أنا مش قادر أتخيل إنها تكون لوحدها في مكان زي ده.
رفع عينيه للسما، وكانت خيوط الفجر بدأت تظهر في الأفق.
أسلم: يا رب، أنا عارف إنك أرحم بيها مني... بس أنا نفسي ألاقيها وأطمن عليها. نفسي أشوفها قدامي وأعرف إنها بخير.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم تحرك من جديد.
عند روفانا...
كانت لسه قاعدة في مكانها، بتحاول تدفي نفسها.
الهواء كان باردًا، والمكان هادي لدرجة إنها كانت بتسمع صوت أنفاسها.
رمت رأسها على الحائط خلفها، وأغمضت عينيها للحظات.
كانت عايزة تنام، لكن كل ما تغمض عينيها، تفتكر صوت الرجال وهما بيهددوها، وصوت الزجاج وهو بيتكسر، وإيد الشخص اللي كان بيحاول يسحبها بالقوة.
فتفتح عينيها بسرعة، وقلبها يدق بعنف.
روفانا: خلاص... خلاص يا روفانا. إنتِ هربتي. هما مش هنا دلوقتي.
حاولت تقنع نفسها، لكنها ما قدرتش تمنع دموعها.
كانت لأول مرة تحس إنها محتاجة حد جنبها بالشكل ده.
مش محتاجة حرسها، ولا عربياتها، ولا حتى اسم عيلتها.
كانت محتاجة شخصًا واحدًا بس، يطمنها إنها مش لوحدها.
روفانا بصوت مبحوح: أسلم... يا ترى إنت عرفت مكاني؟ يا ترى بتدور عليا دلوقتي؟
رفعت وشها للسما.
روفانا: يا رب، لو هو بيدور عليا، ساعده يوصل لي. ولو مش عارف مكاني، دلّه عليا. أنا تعبت يا رب... تعبت أوي.
فضلت تدعي، لحد ما سمعت صوت أذان الفجر من مسجد بعيد.
رفعت رأسها بسرعة.
الصوت كان ضعيفًا، لكنه كان كافيًا يخليها تحس بشيء من الطمأنينة.
ابتسمت ابتسامة باهتة وسط دموعها.
روفانا: الحمد لله...
سكتت، ثم أكملت دعاءها بصوت خافت، وهي تحاول تتمالك نفسها.
بعدها بدأت تشعر بالتعب يغلبها.
استندت برأسها إلى الحائط، وضمّت ذراعيها حول نفسها، وفضلت تردد اسم أسلم في سرها.
كان أسلم بيتحرك في طريق جانبي، لما لمح مبنى قديمًا على مسافة.
وقف لحظة، وبص حواليه.
المكان كان هادي، لكن فيه ممر ضيق ممتد خلف المبنى.
قرر يدخل الممر، يمكن يلاقي أي أثر.
أسلم بصوت مرتفع: روفانا!
ما سمعش رد.
كمل خطواته، ثم نادى تاني.
أسلم: روفانا! لو إنتِ سامعاني، ردي عليا!
الصوت رجع له من بعيد.
كان على وشك يرجع للطريق، لما سمع صوتًا ضعيفًا.
روفانا: أسلم؟!
تجمد مكانه.
رفع رأسه بسرعة، وحاول يتأكد إنه سمع صح.
أسلم: روفانا؟!
المرة دي، جاله صوتها أوضح.
روفانا: أسلم!
ما فكرش.
انطلق يجري ناحية الصوت، وهو بينادي عليها.
أسلم: روفااااناااا!
خرجت روفانا من خلف الجدار، وكانت بتحاول تقف على رجليها رغم الألم.
أول ما شافته، وقفت مكانها للحظة.
ما صدقتش عينيها.
كان هو فعلًا.
أسلم.
الشخص اللي فضلت تدعي إنه يلاقيها طول الليل.
روفانا بصوت مرتعش: أسلم...
شافها.
شاف شعرها المبعثر، ووشها الشاحب، وآثار الدموع على خدودها.
وللحظة، ما قدرش يتحرك.
كل الخوف اللي عاشه طول الساعات اللي فاتت رجع له دفعة واحدة، لكنه المرة دي امتزج براحة كبيرة.
هي قدامه.
حية.
وسالمة بما يكفي إنها تنادي اسمه.
جري ناحيتها، وهي جريت ناحيته.
ولما وصل لها، ضمها لحضنه بقوة، وأغمض عينيه.
أسلم: الحمد لله... الحمد لله يا رب!
روفانا انفجرت في العياط، ودفنت وشها في صدره، وتمسكت بملابسه بكل قوتها.
روفانا: أسلم! أنا كنت خايفة أوي!
أسلم وهو بيربت على ظهرها: خلاص يا روفانا، خلاص... أنا هنا. أنا معاكي.
روفانا: افتكرت إني مش هشوف حد تاني! افتكرت إني مش هرجع البيت!
أسلم: لا، متقوليش كده. الحمد لله إنك بخير.
روفانا: أنا كنت بدعي إنك تلاقيني... والله طول الليل بدعي إنك تيجي.
شدها أسلم لحضنه أكتر، وحاول يتكلم، لكن صوته خانَه للحظة.
أسلم: وأنا كنت بدور عليكي في كل مكان. كل ما أوصل حتة وملاقيكيش، كنت بحس إني هتجنن. كنت خايف أوي يا روفانا.
رفعت رأسها وبصت له.
كانت دي أول مرة تشوفه بالشكل ده.
أسلم اللي دايمًا بيحاول يكون هادي، واللي بيواجه مشاكله بصبر، كان واضح عليه إنه مرعوب من فكرة فقدانها.
روفانا: إنت جيت فعلًا...
أسلم بابتسامة متعبة: أمال كنتِ فاكرة إني هسيبك؟
نزلت دموعها من جديد، وابتسمت وسط بكائها.
روفانا: لا... بس كنت خايفة.
أسلم: خلاص، أنا هنا. خلينا نخرج من المكان ده، وبعدها هتكوني في أمان.
حاولت روفانا تتحرك، لكنها تألمت.
أسلم لاحظ ده، وبص لدراعها.
أسلم بقلق: إيه اللي حصل لإيدك؟!
روفانا: اتخبطت وأنا بجري منهم.
أسلم: طب ورجلك؟
روفانا: بتوجعني شوية، بس أقدر أمشي.
حاولت تخطو خطوة، لكنها تأوهت.
أسلم سندها بسرعة.
أسلم: براحة، متستعجليش. مش لازم تثبتي لأي حد إنك قوية .
بصت له، وحست إن الجملة دي لمست حاجة جواها.
طول الليل كانت بتحاول تكون قوية عشان تنجو.
أما دلوقتي، فكانت محتاجة تسمح لنفسها إنها تتعب.
روفانا بصوت خافت: أنا مش قادرة، يا أسلم.
أسلم بحنان: عارف. خلاص، اتسندي عليا.
سندها، وبدأ يمشي معاها ببطء ناحية الطريق.
لكن قبل ما يوصلوا للممر، سمع صوت حركة وراهم.
رفع رأسه بسرعة.
كان فيه رجال بيقربوا من ناحية الطريق اللي روفانا جت منه.
أول ما شافتهم، اتجمدت.
روفانا بفزع: لا... هما دول يا أسلم!
أسلم وقف قدامها فورًا.
أسلم: متخافيش. خليكي ورايا.
روفانا: أسلم، دول اللي خطفوني! هما رجعوا!
أسلم: عارف. بس مش هسمح لهم ياخدوكي تاني.
تقدم أحد الرجال، ولما شاف روفانا، ابتسم بسخرية.
الرجل: أهو! لقينا الهاربة أخيرًا.
بص أسلم له بغضب.
أسلم: خطوة واحدة كمان، وهتندم.
ضحك الرجل.
الرجل: وإنت مين بقى؟ البطل اللي جاي ينقذ الأميرة؟!
أسلم: أنا اللي هندمكم على اللي عملتوه.
اتغيرت ملامح الرجل، وأشار لرجاله.
الرجل: ورّوه بقى هو يقدر يعمل إيه!
اندفع أول رجل ناحية أسلم، فحاول أسلم تفادي الضربة، لكنه تلقى ضربة من رجل تاني كان جاي من الجنب.
تراجع خطوة، ثم رد له الضربة بواحدة أقوى منها ، بينما روفانا وقفت خلفه وهي بتصرخ.
روفانا: أسلم! خلي بالك!
كان عددهم كبيرًا، وأسلم بدأ يواجه صعوبة في التصدي لهم جميعًا.
كل ما يبعد واحدًا عنه، يظهر الثاني.
ومع ذلك، كان كل همه إنه يمنعهم من الوصول لروفانا.
أسلم: روفانا، ارجعي بعيد عنهم!
روفانا: مش هسيبك!
أسلم بصوت حازم: روفانا! اسمعيني، ابعدي عن مكان الضرب! اهربي.
اضطرت تتراجع عدة خطوات، وهي بتحاول تراقب كل حركة.
وفجأة، أحد الرجال مسك أسلم من الخلف، ورجل آخر وجه له ضربة قوية خلته يقع على ركبته.
روفانا صرخت: أَسْلَم!
حاول أسلم يقوم، لكن الرجل اللي ماسكه شد ذراعه للخلف.
الرجل: خلصت يا بطل!
أسلم رفع رأسه، وبص له بغضب.
أسلم: لسه.
اندفع بجسمه للخلف، وقدر يفلت ذراعه، ووجه ضربة للرجل اللي ماسكه، ثم وقف من جديد.
لكن عددهم كان أكبر من قدرته على الاستمرار وحده.
بدأت روفانا تدور بعينيها على أي شيء ممكن يساعدها.
موبايلها ما كانش معاها ، لكنها شافت موبايل أسلم واقع على الارض.
مسكته بسرعة، وكانت إيدها بترتعش.
ضغطت على الشاشة، ولحسن الحظ، اشتغل.
اتصلت بكريليس.
كريليس رد بسرعة: أسلم؟! لقيت روفانا؟!
روفانا وهي بتبكي: كريليس! أنا روفانا.وأنا مع أسلم، بس هما رجعوا تاني! بيضربوه، ومش قادر يواجههم لوحده!
كريليس: إنتِ فين بالظبط؟!
روفانا: أنا مش عارفة اسم المكان! أنا بعتالك موقعي، أرجوك تعالى بسرعة!
كريليس: إحنا قريبين منكم. خليكي بعيدة عنهم، ومتدخليش في الاشتباك. أنا جاي!
قفلت المكالمة، وفضلت تبص لأسلم، اللي كان لسه بيقاوم.
كانت نفسها تساعده، لكنها كانت عارفة إن أي حركة غلط ممكن تعرضه وتعرضها لخطر أكبر.
روفانا وهي بتصرخ: سيبوه! هو معملكمش حاجة!
الرجل اللي كان بيقود المجموعة التفت لها.
الرجل: اسكتي إنتِ! إنتِ السبب في كل اللي بيحصل ده!
اتسعت عينا روفانا.
روفانا: أنا؟! أنا عملت لكم إيه؟!
الرجل: هتعرفي لما توصلي للي مستنيكي.
الجملة دي خلت قلبها ينقبض.
حتى الآن، لم تكن تعرف هوية الشخص الذي يقف خلف كل ما يحدث، ولا السبب الحقيقي الذي جعلهم يصرّون على أخذها.
لكنها ما لحقتش تسأله، لأن أسلم استغل انشغال الرجل، ودفع أحد المهاجمين بعيدًا عنه.
أسلم: متبصش وراك وإنت بتتكلم!
التفت الرجل له بغضب، واندفع نحوه.
وفي اللحظة دي، دوى صوت عربيات قادمة بسرعة.
الرجال كلهم التفتوا ناحية الطريق.
ظهرت عربيات مينا وكريليس، وخلفها سيارات أخرى تحمل رجالًا انضموا لعملية البحث.
كريليس نزل من عربيته قبل ما تقف تمامًا.
كريليس صارخًا: ابعدوا عن أختي!
نزل مينا ورجاله، واندفعوا ناحية الاشتباك.
كريليس جرى أولًا ناحية روفانا، لكنه لما شاف أحد الرجال بيحاول يقرب منها، وقف في طريقه.
كريليس بغضب: إنت فاكر إنك هتمد إيدك عليها وتمشي عادي؟!
دخل في الاشتباك، بينما رجاله أحاطوا بالمجموعة من الجهة الأخرى.
مينا كان بيصدر تعليماته لرجاله، محاولًا السيطرة على الموقف بسرعة.
مينا: محدش يسيب حد منهم يهرب!
المواجهة كانت عنيفة، لكن هذه المرة لم يكن أسلم وحده.
رجال مينا وكريليس تمكنوا من التغلب على الخاطفين واحدًا تلو الآخر، وبدأوا يسيطروا عليهم.
أسلم، رغم التعب والألم، حاول يساعد في إبعاد أحد الرجال عن روفانا، لكنه تلقى دفعة قوية كادت توقعه.
روفانا: أسلم!
اندفعت ناحيته، لكنها وقفت لما شافت كريليس بيقرب منها.
كريليس: روفانا! تعالي هنا!
جريت عليه، ولما وصل لها، ضمها لحضنه بقوة.
كريليس بصوت مبحوح: إنتِ كويسة؟! عملوا لك حاجة؟!
روفانا بدأت تبكي من جديد.
روفانا: أنا كويسة يا كريليس... أنا كويسة.
كريليس: متأكده؟!
روفانا: أنا كنت خايفة أوي... بس أسلم لقاني.
بص كريليس ناحية أسلم.
كان واقفًا على مسافة قريبة، بيحاول يلتقط أنفاسه، ووشه عليه آثار الضرب.
كريليس بصوت ممتن: أسلم...
رفع أسلم رأسه.
كريليس: شكرًا.
أسلم هز رأسه بهدوء.
أسلم: الحمد لله إني لقيتها.
كريليس: عمري ما هنسى اللي عملته.
أسلم بص له، لكنه ما عرفش يرد بكلام كتير.
كل اللي كان يهمه في اللحظة دي إنه يطمن إن روفانا فعلًا بخير.
بدأ رجال مينا يسيطروا على المكان، ويجمعوا متعلقات الخاطفين، بينما اتصل مينا بالشرطة لإبلاغهم بما حدث وطلب حضورهم.
كريليس كان واقفًا جنب روفانا، بيحاول يطمنها، لكنها كانت كل شوية تبص ناحية أسلم.
كان واقفًا بعيدًا قليلًا، وبيحاول يخفي ألمه.
لكن روفانا لاحظت إنه كل ما يتحرك، يتأوه بخفة.
سابت كريليس وقربت منه.
روفانا بقلق: أسلم، إنت لازم تروح المستشفى حالًا.
أسلم: أنا كويس.
روفانا بضيق: بطل تقول أنا كويس! إنت وشك كله متبهدل، وإيدك بتترعش!
أسلم بابتسامة متعبة: طب ما أنا لسه واقف أهو.
روفانا: هو الوقوف دليل إنك كويس؟!
ضحك كريليس رغم قلقه.
كريليس: والله عندها حق. إنتوا الاتنين محتاجين مستشفى، ومفيش حد فيكم هيتحرك من هنا غير لما نطمن عليه.
أسلم: حاضر يا سيدي، اللي تشوفه.
روفانا: وأنا كمان موافقة.
كريليس: أهو أخيرًا لقيت حاجة تتفقوا عليها من غير نقاش!
روفانا بصت له بضيق مصطنع.
روفانا: كريليس، مش وقته!
كريليس: خلاص يا ستي، أنا ساكت.
لكن قبل ما يتحركوا، أحد رجال مينا نادى عليه.
الرجل: يا فندم، لقينا موبايل مع واحد من الخاطفين، وفيه اتصال جاي عليه.
مينا قرب منه، وأخذ الموبايل.
بص للشاشة، ثم اتجمد مكانه.
كان الاسم الظاهر على الشاشة مألوفًا جدًا.
مألوفًا لدرجة إنه للحظة افتكر إن عينيه بتخدعه.
رفع عينيه للرجل.
مينا: الموبايل ده كان مع مين بالظبط؟
الرجل: مع الراجل اللي كان بيقود المجموعة يا فندم.
مينا: والراجل ده فين دلوقتي؟
الرجل: مع الرجالة التانيين، تحت السيطرة.
مينا بص للشاشة مرة تانية، ثم رد على الاتصال.
مينا: ألو؟
جاءه صوت رجل من الناحية التانية.
الصوت: خلصتوا؟ جبتوها ولا لسه؟!
مينا ما ردش فورًا.
ظل صامتًا لثوانٍ، يحاول يستوعب ما يسمعه.
الصوت بحدة: ألو؟! إنت مين؟!
مينا أخد نفسًا عميقًا.
مينا: أنا الشخص اللي كان المفروض إنك ما تتوقعش إنه يعرف أي حاجة عن الموضوع ده.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
ثم انقطع الاتصال.
مينا بص للموبايل بذهول.
كريليس قرب منه بسرعة.
كريليس: مين ده يا مينا؟! إنت عرفت مين اللي ورا الموضوع؟!
مينا رفع عينيه له، وملامحه كانت متغيرة تمامًا.
مينا: أنا أعرف الشخص ده كويس جدًا.
كريليس: مين؟!
مينا سكت لحظة، ثم قال بصوت منخفض:
مينا: الشخص اللي اتصل دلوقتي... شخص أنا كنت بثق فيه.
اتسعت عينا كريليس.
أما أسلم، فكان واقفًا جنب روفانا، وكل تركيزه انتقل ناحية مينا.
أسلم: يعني إيه؟! هو واحد من معارف حضرتك؟!
مينا هز رأسه ببطء.
مينا: مش مجرد معرفة... ده شخص كنت أعتبره من أقرب الناس ليا.
روفانا، اللي كانت واقفة بتسمع الكلام، حسّت ببرودة تسري في جسمها.
روفانا: بس... ليه؟! أنا عملت له إيه؟!
مينا بص لها، لكنه ما قدرش يجاوب.
لأنه هو نفسه ما كانش فاهم.
كان عنده شكوك كتير، وأسئلة أكتر، لكن الحقيقة الوحيدة اللي بقت واضحة قدامه إن الموضوع أكبر من مجرد محاولة خطف.
بعد دقائق، بدأت أصوات سيارات الشرطة تقترب من المكان.
رجال مينا كانوا بيتعاونوا مع الضباط لتأمين الخاطفين، وكريليس فضل جنب روفانا، رافض يبعد عنها ولو خطوة واحدة.
أما أسلم، فكان واقفًا على مسافة قريبة منها.
كانت روفانا كل شوية تبص له، وكأنها لسه مش مصدقة إنه موجود فعلًا.
وفي لحظة، التقت عيناهم.
ابتسم لها ابتسامة صغيرة، رغم التعب اللي واضح على وشه.
أسلم: خلاص... الليلة دي عدت.
روفانا هزت رأسها ببطء، لكن عينيها امتلأت بالدموع مرة أخرى.
روفانا: لسه مش قادرة أصدق إني رجعت.
أسلم: هتصدقي لما ترجعي بيتك وتنامي في سريرك، وتصحّي تلاقي كل ده كان جزء من ليلة صعبة وعدّت.
بصت له بحزن.
روفانا: بس هي مش هتعدي بسهولة، صح؟
أسلم سكت.
كان عارف إن اللي حصل مش بسيط، وإن الأسئلة اللي اتفتحت الليلة دي مش هتتقفل بسهولة.
لكنه ما حبش يزود خوفها.
أسلم: هنفهم كل حاجة واحدة واحدة. المهم دلوقتي إنك بخير.
مدت إيدها، ومسك إيدها برفق.
وفي اللحظة دي، مينا كان واقفًا بعيدًا عنهم، بيبص للموبايل اللي في إيده.
الشاشة كانت انطفأت، لكن الاسم اللي ظهر عليها ما زال محفورًا في ذاكرته.
رفع مينا عينيه ناحية الطريق، وقال بصوت خافت لا يكاد يُسمع:
مينا: ليه يا صاحبي؟... ليه تعمل كده؟!
«أقسى الصدمات ليست تلك التي تأتي من الغرباء، بل تلك التي تأتينا من أيدٍ كنا نظن أنها آخر يد يمكن أن تؤذينا.»
مع طلوع الشمس، وبعد ليلة طويلة مليئة بالخوف والركض والبحث، وصل الجميع أخيرًا إلى بيوتهم، بعدما اطمأن الأطباء على حالتهم في المستشفى.
كان التعب قد نال منهم جميعًا، وكأن الليل سرق ما تبقى لديهم من طاقة.
في بيت أسلم...
دخل أسلم شقته بخطوات بطيئة، وأغلق الباب خلفه، ثم وقف للحظات مستندًا إليه.
أطلق تنهيدة طويلة، ومرر يده على وجهه المرهق.
أسلم: الحمد لله... عدت على خير.
كانت ذراعه تؤلمه، وجسده كله يشعر بالإجهاد بعد ما تعرض له خلال الليلة الماضية، لكنه لم يكن يفكر في ألمه بقدر ما كان يفكر في روفانا، وكيف انتهى بها الأمر آمنة في المستشفى بعد كل ما حدث.
أخرج هاتفه، واطمأن إلى أنه لا توجد اتصالات ضرورية، ثم اتجه إلى غرفته.
لم يكن لديه أي استعداد لفعل شيء سوى النوم.
ألقى بنفسه على السرير، وأغمض عينيه، ولم تمر دقائق حتى استسلم لنوم عميق، وكأن جسده كان ينتظر تلك اللحظة منذ ساعات.
أما في منزل روفانا...
فقد وصلت روفانا برفقة كريليس، وكل منهما كان في أشد الحاجة إلى الراحة.
تبادل الاثنان كلمات قليلة قبل أن يصعد كل واحد منهما إلى غرفته.
كريليس: تصبحي على خير يا روفانا، ولو احتجتي أي حاجة صحيّني فورًا، اتفقنا؟
روفانا: حاضر يا كريس. وإنت كمان ارتاح، إنت تعبت أوي النهارده.
ابتسم لها ابتسامة مرهقة، ثم اتجه إلى غرفته.
أما هي، فأغلقت باب غرفتها، وبدلت ملابسها، ثم ارتمت على سريرها.
لم تكن تريد التفكير في أي شيء.
لا في الخاطفين، ولا في الساعات التي قضتها خائفة، ولا في اللحظات التي ظنت فيها أنها لن تنجو.
كانت تريد فقط أن تنام، وأن تستيقظ لتجد أن كل ما حدث لم يكن سوى كابوس طويل.
وبالفعل، غلبها النوم بعد دقائق قليلة.
في المساء...
فتحت روفانا عينيها ببطء، ثم مدت يدها نحو هاتفها لتعرف الوقت.
اتسعت عيناها قليلًا عندما رأت أن المساء قد حل بالفعل.
جلست على السرير، ومررت يدها بين خصلات شعرها، ثم تثاءبت وهي تحاول استعادة نشاطها.
روفانا: يا نهار أبيض، أنا نمت كل ده!
نهضت من مكانها، ودخلت الحمام لتأخذ حمامًا دافئًا يزيل آثار التعب عن جسدها.
وبعد قليل، خرجت وهي ترتدي ملابس منزلية مريحة، وصففت شعرها على عجل، ثم ألقت نظرة أخيرة على نفسها في المرآة قبل أن تخرج من الغرفة.
نزلت إلى الطابق السفلي، واتجهت نحو الصالون.
كانت تتوقع أن تجد والدتها هناك، أو أن تسمع صوتها في إحدى الغرف، لكنها لم تجدها.
توقفت للحظات، ثم التفتت إلى إحدى العاملات في المنزل.
روفانا: لو سمحتي، ماما فين؟
الخادمة: مدام ماري في أوضتها يا هانم.
روفانا: شكرًا.
تحركت روفانا نحو السلم، لكنها توقفت فجأة، وكأن سؤالًا خطر على بالها.
روفانا: استني، هو ماما سألت عليا وأنا نايمة؟
ترددت الخادمة للحظة، ثم أجابت:
الخادمة: لا يا هانم.
اختفت الابتسامة من وجه روفانا.
روفانا: يعني... ما سألتش أنا عاملة إيه؟ ولا إذا كنت كويسة بعد اللي حصل؟
الخادمة: لا يا هانم.
أومأت روفانا برأسها ببطء.
روفانا: طيب، شكرًا.
ابتعدت عنها، وشعرت بغصة مؤلمة في حلقها.
كانت تعرف أن علاقتها بوالدتها لم تكن يومًا سهلة، وأن ماري كثيرًا ما كانت تتعامل معها ببرود، لكن شيئًا بداخلها ظل يأمل أن يتغير ذلك بعد ما حدث.
لقد اختفت ابنتها طوال الليل!
تعرضت لمحاولة اختطاف، وركضت هربًا من رجال أرادوا أخذها بالقوة، وعادت إلى المنزل بعد أن قضت ساعات في المستشفى.
ومع ذلك، لم تسأل عنها أمها حتى!
حاولت روفانا أن تجد عذرًا لها.
روفانا، تحدث نفسها: يمكن هي كانت نايمة... يمكن محدش قال لها تفاصيل اللي حصل... يمكن هي مش عايزة تضايقني بأسئلتها.
لكنها لم تستطع إقناع نفسها.
فكل ما كانت تريده هو أن تجد أمها بجانبها، أن تسألها إن كانت بخير، أو حتى أن تنظر إليها نظرة تشعرها بأنها كانت خائفة عليها.
تنهدت بحزن، ثم رفعت رأسها نحو الطابق العلوي.
روفانا: خلاص، هطلع أطمن عليها بنفسي.
صعدت الدرج ببطء، وتوقفت أمام باب غرفة ماري.
رفعت يدها وطرقت الباب بخفة.
روفانا: ماما؟ ممكن أدخل؟
لم تنتظر طويلًا، وفتحت الباب بهدوء.
كانت ماري تقف داخل الغرفة، وما إن وقعت عيناها على روفانا حتى تغيرت ملامح وجهها بصورة مفاجئة.
تجمدت روفانا في مكانها، ولم تفهم سبب تلك النظرة.
روفانا: مساء الخير يا ماما.
لكن ماري لم ترد.
ظلت تحدق فيها بغضب واضح، ثم تحركت نحوها بخطوات سريعة.
وقبل أن تتمكن روفانا من السؤال عن سبب غضبها، رفعت ماري يدها وصفعتها بقوة على وجهها!
صفعة مدوية دوّى صوتها في أرجاء الغرفة.
مال وجه روفانا إلى الجانب بفعل الضربة، وتجمد جسدها بالكامل.
لم تتحرك.
لم تتكلم.
حتى أنفاسها بدت وكأنها توقفت للحظة.
رفعت يدها ببطء إلى خدها، وضغطت بأطراف أصابعها عليه، وكأنها لا تصدق ما حدث للتو.
ثم أعادت عينيها إلى والدتها.
كانت تنظر إليها بذهول، وعيناها تتسعان تدريجيًا، بينما بدأت الدموع تتجمع فيهما دون أن تشعر.
روفانا، بصوت مرتعش: مـ... ماما.
في بيت أسلم...
كان أسلم لا يزال غارقًا في نومه، وقد أنهكه التعب إلى درجة أنه لم يشعر بمرور الساعات.
كان البيت هادئًا تمامًا، ولم يكن هناك ما يقطع سكونه سوى صوت أنفاسه المنتظمة.
وفجأة...
رن جرس الباب.
تحرك أسلم قليلًا في نومه، لكنه لم يستيقظ.
عاد الجرس يرن مرة أخرى، وهذه المرة بصورة متواصلة.
فتح أسلم عينيه بصعوبة، وحدق في سقف الغرفة لثوانٍ، محاولًا استيعاب ما يحدث.
أسلم، بصوت ناعس: مين اللي جاي دلوقتي بس؟
اعتدل في جلسته، ثم وضع قدميه على الأرض وهو يشعر بآلام جسده تعود إليه بمجرد الحركة.
مرر يده على وجهه، ونهض بصعوبة، ثم خرج من غرفته متجهًا إلى الباب.
ظل الجرس يرن.
أسلم: أهو جاي، جاي!
وصل إلى الباب، وأدار المفتاح، ثم فتحه وهو لا يزال يحاول التخلص من آثار النوم.
لكنه ما إن رفع عينيه حتى اختفت كل علامات النعاس من وجهه.
أسلم: روفانا؟!
كانت تقف أمامه.
وجهها غارق في الدموع، وعيناها حمراوان، وملامحها تحمل صدمة واضحة.
بدت وكأنها جاءت من مكان أبعد بكثير من المسافة التي تفصل منزلها عن منزله.
نظر إليها أسلم بقلق شديد، وحاول أن يفهم ما حدث.
أسلم: روفانا! مالك؟! إنتِ بتعيطي ليه؟ حصل إيه؟!
لكنها لم تجبه.
كانت تنظر إليه فقط، والدموع تنساب من عينيها دون توقف.
اقترب منها أسلم خطوة.
أسلم: روفانا، ردي عليا... حد عمل لك حاجة؟!
وفجأة، تحركت نحوه، وألقت بنفسها في حضنه بقوة!
تراجع أسلم خطوة من شدة المفاجأة، ثم أحاطها بذراعيه حتى لا تفقد توازنها.
وما إن شعرت روفانا بذراعيه حولها حتى انفجرت في بكاء أشد، وتشبثت به وكأنها لم تعد قادرة على الوقوف وحدها.
روفانا: آآآه...!
لم تستطع أن تنطق بكلمة مفهومة.
دفنت وجهها في صدره، وأمسكت بملابسه بقوة، بينما كانت شهقاتها تتلاحق بصورة موجعة.
