رواية حب بين السطور الفصل التاسع 9 بقلم وعد محمد

 

 

 

 

 

رواية حب بين السطور الفصل التاسع بقلم وعد محمد


صحيت الصبح وقعدت على طرف السرير، عينيا مثبتة على الهدوم المتعلقة قدامي وكأني بترجاها بقلبي إني منزلش، أو كأن الهدوم هي اللي بتقولي بلاش تنزلي وتواجهي النهارده.

كان جوايا تقل مش طبيعي، كأن جسمي كله رافض الفكرة، بس عقلي بيتفجر تفكير وما زال بيطحن في كل موقف حصل.

فتحت ماما باب الأوضة بهدوء، ولما لقيتني قاعدة على نفس الوضع سرحانة وراسي مستسلم للعدم، قربت خطوات خفيفة وقالت بنبرة مليانة قلق:

ـ مش هتنزلي النهارده كمان يا ملك؟

أخدت نفس طويل بالعافية، وحاولت أجمع أي نبرة ثبات في صوتي وقولت:

– لا يا ماما.. هنزل، عندي محاضرات مهمة كتير النهارده ولازم أروح.

ماما بصتلي بشك، بس محبتش تضغط عليا أكتر، حطت علبة السندوتشات على الكومودينو جنب السرير وقالت وهي بتططب على كتفي:

ـ أنا عملتلك السندوتشات دي، سبتهالك هنا عشان تاكليها قبل ما تنزلي.. ربنا يقويكي يا بنتي.

خرجت ماما ووقفت أنا قدام المراية.

كانت الواقفة قدامي في الازاز واحدة تانية خالص؛ ملامح مطفية، هالات سودة تحت العين، وزعل حقيقي غالب على كل حركاتي.

بدأت ألبس هدومي بإيدين بترتعش، وكل زرار أقفله كان بيسألني سؤال، وكنت بقلبي برد في سري:

"أنزل.. لازم أنزل عشان أفهم، لازم أعرف إيه اللي يخليه يتخلى عني بالسهولة دي ويهرب كأني مكنتش حاجة في حياته."

نزلت الشارع، وكنت حريصة ومركزه كل حواسي عشان ممشيش من نفس الشارع أو ألمح عربية ممدوح.

مكنتش مستعدة للوجع ده، ولا عندي طاقة أواجه أقرب حد كان ليا، الشخص اللي كان عارف كل تفصيلة في حياتي وكان بالنسبة لي السند، أكتشف إنه كان جزء من الكسرة.

اخترت الهروب وتأجيل مواجهته تماماً لأجل غير مسمى.

أول ما وصلت قدام بوابة الجامعة، اتفاجأت بعربية ممدوح راكنة قصاد الكلية وهو واقف جنبها.

دقات قلبي زادت والدم هرب من وشي، عملت نفسي مش شايفاه وسرّعت خطواتي جداً عشان أدخل من البوابة.

لكنه لمحني، وقرب بسرعة ومشي ورايا وهو بينادي بصوت متوتر وعالي حبة 

ـ ملك! استني يا ملك.. مبترديش عليا ليه من امبارح؟ أنا كنت هموت من القلق وعايز أطمن عليكِ!

وقفت فجأة، ولفتله وشي.. كانت عينيه مليانة ارتباك وهو كمل بأسف ونبرة مكسورة

ـ أنا آسف يا ملك.. أرجوكِ اديني فرصة نتكلم.

بصيتله بنظرة جافة، جافة لدرجة إني نفسي استغربت قوتها، وقولت بصوت واطي بس حاد

– أسف على إيه ولا إيه يا ممدوح؟ أسف على كل مرة كنت شايفني بتوجع وبتموت قدامك وأنت عارف السبب؟ ولا أسف لأنك كنت أنت السبب ومقولتليش؟
بلع ريقه وسكت، فكملت بدموع متحجرة في عيني:

– أنا اللي أسفة يا ممدوح.. مش هقدر.

سيبته واقف في مكانه مصدوم ومشيت بسرعة، دخلت الكلية ورجليا بالعافية شايلاني.

لقيت روان واقفة مستنياني عند الصالة الرئيسية، أول ما شافتني جرت عليّ وقالت بقلق وحيرة:

ـ فينك كل ده يا ملك؟ قلقتيني عليكِ جداً، والله كنت هجيلك البيت النهارده لو مانزلتيش!

حاولت أبتسم ابتسامة باهتة وقولت

– معلش يا روان، كنت تعبانة شوية ومحتاجة أرتاح.. بس انا كويسة دلوقتي، يلا عشان المحاضرة.

دخلنا المدرج وقعدنا سوا.

الدكتور كان بيشرح وبيكتب على البورد، والطلبة حواليا بيدونوا، بس أنا مكنتش مركزة في حرف واحد بيتقال.

كانت المحاضرة بالنسبالي أطول ساعات في حياتي، مستنية اللحظة اللي تخلص فيها بفارغ الصبر عشان أروح لأدهم وأفهم.

طول الوقت كانت الذكريات بتمر قدام عيني زي الشريط؛ صوته، نظراته، وعوده، واليوم اللي اختفى فيه فجأة وسابني لأوهامي.

أول ما الدكتور خلص المحاضرة، كل الطلبة بدأوا يخرجوا.
جمعت حاجتي وقمت مع روان، ولما وصلنا عند الباب قلتلها:

– معلش يا روان.. اسبقيني أنتِ، هعمل حاجة صغيرة وجايلك.

بصتلي بشك خفيف بس قالت:

ـ تمام يا ملك، هستناكي تحت عند الكافيه.

هزيت راسي ومشت روان، وأنا لفيت ورجعت ومشيت بخطوات ثقيلة ناحية مكتبه ..

وقفت قدام باب مكتب أدهم، أخدت نفس طويل عشان قلبي يهدى، وخبطت خبطات منتظمة.

سمعت صوته من جوه:
ـ اتفضل.

فتحت الباب ودخلت.

أدهم كان قاعد على المكتب بيراجع أوراق، أول ما رفع عينه وشافني، الأوراق وقعت من إيده بهدوء ووقف مكانه.

عم السكون في الأوضة، صمت تقيل يرعب.

بدأ هو الكلام بصوت هادي ومتردد:
ـ إزيك يا ملك؟

رديت بإيجاز شديد ونبرة باردة:
– كويسة.

رجع الصمت يسيطر تاني، هو باصصلي وأنا واقفة باصة للأرض.

رفعت عيني فيه وقولت بصراحة وحسم:

– أنا مش جاية عشان نفضل ساكتين كده.. أنا جاية أفهم، عايزة أعرف ليه كل ده حصل؟ ليه سيبتني كل ده يا أدهم؟
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة مليانة وجع، وحط إيده في جيبه وقال بنبرة متردده

ـ كنت فاكر إنك كده هتبقي مرتاحة.

قاطعة بحدة وذهول

– أنا قولتك كده؟!

رد بصوت هادي وموجوع

ـ أنتِ مقولتيش كده، بس كل حاجة كانت بتقول كده يا ملك.. أنتِ بدأتي تبعدي واحدة واحدة، مكالماتنا قصرت، حكاويكِ التفصيلية اللي كنتِ بتقوليهالي معدتيش بتقوليها أصلاً.
قرب خطوة صغيرة من المكتب وكمل كلامه وهو بيفتكر بمرارة

ـ كان وجودك معايا زي تقضية واجب وخلاص، على العكس تماماً مع ممدوح.. كنتِ دايمًا معاه، كلامك وهزارك وتفاصيل يومك، كان عارف حاجات عنك أنا مكنتش  عارفها.. ولما جالي ممدوح وقتها وقالي"ملك مش مرتاحة معاك، بلاش تظلمها برتباطكوا هيا متستاهلش منك كد".. 

الكلام ده نزل عليا زي الصاعقة وأكدلي كل ظنوني وشكوكي اللي كنت بحاول أهرب منها، اتأكدت إن فعلاً في حاجة بينكم أو إنك بقيتي بتفضليه عليا.

دموعي نزلت وصدمتي كانت أضعاف، بصيتله وقلتله بصوت مرتعش ومش مصدقة

– أنت متخيل إني بقيت مع ممدوح يا أدهم؟! أنت فاهم كل الكلام اللي كان بيني وبين ممدوح وقتها كان عن إيه أصلًا

أدهم سكت وبصلي بحيرة، فكملت بكسرة 

– كل كلامي مع ممدوح في الفترة دي كان عليك أنت! كنت بحكيله قد إيه أنت مضغوط في شغلك وحياتك، قد إيه أنا قلقانة عليك ومش عارفة أوصل لطريقة أريحك بيها من غير ما أضغطك أكتـر! سكت وقليت كلامي معاك عشان مأزيدش عليك أحمالك، مخدتش بالي خالص إن خوفي وقلقي عليك هيتفسروا عندك بالطريقة دي! مخدتش بالي إن محاولتي لراحة بالك هتعمل الشك ده جواك وتخليك تبيع كل حاجة!

بصيتله بحدة ودموعي نازلة مغرقة وشي وقولتله:

– كان المفروض تسألني يا أدهم! كنت تيجي تقولي وتواجهني بدل ما تبعد وتختفي من غير حتى ما تفهمني أنت مشيت ليه أو تديني فرصة أدافع عن نفسي!

أدهم قرب خطوة بلهفة، وصوته خرج مخنوق وهو بيبصلي بعيون مليانة عتاب ومحاولة لتبرير موقفه

ـ أنا استنيت يا ملك.. استنيت بعد ما مشيت إنك تدوري عليا، تتصلي بيّ، تزعقي، تسألي، أو تحاولي تتمسكي بيا وبحبنا بأي طريقة.. لكن لما لقيتك ساكتة ومحاولتيش حتي توصليلي أو تسألي عني، فهمت ساعتها إن ظنوني كانت صح، وإن استغنائك عني كان أسهل مما أتخيل!

ابتسمت بمرارة وسط دموعي وهزيت راسي بالنفي وقولتله بصوت مكسور بس مليان كبرياء

– عايزني أتمسك بيك وأنت بايعني؟ عايزني أجري وراك وأنت سايبني من غير ما تفهمني سايبني ليه أصلًا؟ عايزني أنا اللي أثبتلك إني بحبك وأجري وراك وأنت بتتنازل عني بالسهولة دي لمجرد كلام سمعته من ممدوح من غير ما تجيلي وتسألني ده صح ولا غلط؟ لا يا أدهم.. مش أنا اللي اعمل كده!

أدهم اتصدم، ملامح وشو اتغيرت تماماً كأنه أخد قلم على وشّه، وعينيه أتملت دموع وحس بالندم  وقال بنبرة ترجي

ـ أنا عمري ماحبيت حد غيرك يا ملك.. ولا هحب.. أنتِ الحقيقة الوحيدة في حياتي.
رديت بصوت مكسور ودموعي مغرقة وشي

– متأخر أوي يا أدهم.. متأخر جداً.

سيبته واقف في المكتب ومشيت بسرعة والدموع عمياني، مسبتلوش فرصة ينطق بكلمة تانية.

خرجت من باب الكلية والجامعة كلها، ومشيت في الشارع وأنا حاسة إن القلم اللي أخدته في مشاعري بقى كابوس ملوش نهاية.

طول طريق الرجوع للبيت، كنت ماشية زي الآلة، عقلي شغال وبيتكلم مع نفسه بصوت عالي مكتوم

"يعني كل السنين دي، وكل الوجع ده، كان بسبب لعبة حطها ممدوح وأدهم بلعها بكرامته؟ أدهم اللي كنت فاكراه أماني، طلع بيتنازل عني بكلمتين؟ وممدوح اللي كنت بشوفه أخويا وسندي، طلع هو السكينة اللي اتغرزت في ضهري؟ أنا أذيت مين فيهم عشان يعملوا فيا كده؟"

وصلت عند مدخل عمارتنا، وأول ما جيت أطلع السلم، لقيت خيال واقف في الظل قرب مني بسرعة.
كان ممدوح.

ملامحه كانت مرعوبة، متوتر، وعينيه بتحاول تراقب المكان يمكن يشوفني ..وبيفرك في إيديه بارتباك شديد عمره ما ظهر بيه قدامي.

حاولت أعدي من جنبه وأتجاهله تماماً، بس وقف قدامي بلهفة ومسك طرف دراعي وقال بنبرة راجية ومتقطعة

ـ ملك.. أرجوكِ اسمعيني، بلاش تمشي وتسبيني كده.. أنا بقالي كتير مستنيكي هنا ومش هتحرك من مكاني غير لما تسمعيني!

نفضت دراعي منه بحدة وقرف، وقولت بصوت واطي ومليان بالغضب

– ابعد عني يا ممدوح! أنا مش عايزة أسمع منك حرف واحد.. أنت معندكش أي حاجة تقولها تقدر تصلح اللي عملته!

ممدوح دمعت عينيه وقرب خطوة كمان وهو بيرتجف، وقال بنفس متسارع وكأنه بيكب الوجع اللي كاتمه من سنين

ـ لا عندي يا ملك.. عندي كتير أوي! أنا عارف إنك شايفاني شيطان دلوقتي، بس أرجوكِ افهميني.. أنا عملت كل ده عشان بحبك! بحبك من زمان أوي، من قبل ما أدهم ده يظهر في حياتك ومن قبل ما تعرفي يعني إيه حب أصلاً!

كمل كلامه بصوت مبحوح وبيتنفس بصعوبة

ـ كنت بشوفك كبرتي قدام عيني، وكنت حاسس إنك من حقي أنا مش حد تاني.. كان بيتقطع قلبي أضعاف وأنا بشوفك بتحكيلي عنه وبتتكلمي عليه بشغف وتبعدي عني بالتدريج! 

مقدرتش أستحمل فكرة إنك تكوني لغيري أو إنه يأخدك مني للأبد وتروحي لواحد تاني تسيبيني أنا في الهامش! فعشان كده استغليت إن كلامكم قل وخوفك عليه، ورحتله وحاولت اوقع بينكوا وقولتله الكلام ده عشان أبعده عن طريقك وأحمي وجودي في حياتك!

اتسمرت في مكاني قدام باب العمارة تماماً.

الأصوات حوليا اختفت، الشارع بقى فاضي ومفيش غير صوت أنفاسه المتقطعة.

جسمي اتجمد وحسيت ببرودة شديدة بتسري في كل عروقي.

البني آدم اللي كنت بشوفه أخويا وسندي وملجأي الآمن طول السنين دي.. البني آدم اللي كنت بكتفي بوجوده عشان أطمن، يطلع هو الشخص اللي دمر حياتي وكسر قلبي بدافع أنانيته ومشاعره اللي مخبيها ومريض بيها!

ممدوح كان واقف قدامي عرقان ومستني مني أي رد فعل، أي زعيق، أو شتيمة، أو أي كلمة تنقذه من التوتر اللي بياكله من جوة.

بس أنا مديتش أي رد فعل على الإطلاق.
ولا حركة، ولا ملامح، ولا دموع جديدة، ولا كلام.

فضلت باصالة بجمود تام وصمت يوجع أكتر من أي صريخ.

وبعد ثواني طويلة من الصدمة والجمود، زقيته بخفة من قدامي، وطلعت السلم وسيبته واقف في الشارع لوحده، من غير ما أنطق بحرف واحد ولا أرد على اعترافه بأي كلمة.


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات