رواية ضغينة قلب الفصل الأول 1 بقلم رقية الأنصاري

 


رواية ضغينة قلب الفصل الأول بقلم رقية الأنصاري


صوت المنبه كان بيرن للمرة اللي مش عارفة عددها، وأنا من تحت البطانية بمد إيدي أدور على التليفون من غير ما أفتح عيني، ولما مسكته أخيرًا قفلت الصوت ورميته جنبي، وكنت خلاص هرجع أكمل نوم لولا صوت ماما جالي من ورا الباب.

_ ملك يا حبيبتي الساعة بقت تمانية إلا ربع مش إنتي عندك شغل النهارده.

فتحت عيني مرة واحدة، وفضلت أبص للسقف ثانيتين كده وأنا بحاول أستوعب هي قالت إيه، وبعدها اتعدلت في مكاني وخطفت التليفون من جنبي.

تمانية إلا ربع!

_ يا نهار أبيض.

قومت من على السرير بسرعة لدرجة إن رجلي اتخبطت في طرف الكومودينو، فمسكتها وأنا بكتم صوتي من الوجع، وبعدها جريت على الدولاب أطلع هدومي…كنت محضرة كل حاجة من امبارح، أو بالأصح كنت فاكرة إني محضرة، لأن أول ما فتحت الدولاب اكتشفت إن القميص اللي عايزاه في الغسيل.

_ ماما القميص الأبيض بتاعي فين.

ردت من بره وهي بتضحك.

_ صباح الخير الأول يا ملك.

_ صباح الخير يا ست الكل بس القميص فين عشان أنا متأخرة.

_ في الدولاب عندك على الشمال.

فتحت الناحية الشمال وفضلت أقلب وسط الهدوم.

_ مش موجود.

_ يا بنتي بصي كويس.

_ والله ببص كويس.

سمعت صوت خطواتها وبعدها الباب اتفتح، دخلت ماما ووقفت قدام الدولاب ومدت إيدها طلعت القميص من قدامي حرفيًا.

_ أهو.

بصيت للقميص وبعدين بصتلها.

_ هو جه امتى ده.

_ هو موجود يا روحي بس إنتي اللي مبتشوفيش.

أخدت منها القميص وأنا بضحك، وهي قربت مني وعدلت خصلة شعر كانت نازلة على وشي.

_ اهدي شوية كده.

_ أنا لو اتأخرت أول يوم هتبقى مصيبة يا ماما.

_ ما إنتي اللي سهرتي لحد الفجر.

_ كنت براجع الرسومات.

_ ماشي يا بشمهندسة بس الرسومات دي مش هتيجي تصحيكي الصبح.

ضحكت غصب عني ودخلت الحمام أجهز، وماما خرجت وهي بتوصيني ألحق أفطر قبل ما أمشي.

أنا ملك فؤاد الراوي، عندي أربعة وعشرين سنة، مهندسة ديكور، ومن حوالي أسبوعين جالي عرض شغل في مشروع مستشفى استثماري جديد، من خلال المكتب الاستشاري اللي بتعامل معاه. المشروع كبير والشغل فيه مش مجرد اختيار ألوان وفرش وخلاص، بالعكس، كان فيه تفاصيل تنفيذية كتير محتاجة متابعة في الموقع، وده أكتر جزء بحبه في شغلي.

المشكلة الوحيدة إني مهما كبرت واشتغلت، بابا لسه شايف إن المفروض أي خطوة أخدها لازم تعدي عليه الأول.

 خرجت من الاوضه بعد نص ساعة تقريبًا وأنا بلبس الساعة في إيدي، وشنطتي متعلقه على كتفي واللابتوب في الإيد التانية، ولقيت بابا قاعد على السفرة قدامه الجرنال وفنجان القهوة بتاعه، وماما بتحط الفطار.

_ صباح الخير.

بابا رفع عينه وبصلي من فوق النظارة.

_ صباح النور يا ملك ايه ده كله إنتي رايحة الشغل ولا مسافرة.

بصيت على الشنطة اللي في إيدي.

_ ليه يعني.

_ كل ده هتاخديه معاكي.

_ ده لابتوب يا بابا مش شنطة سفر.

ماما ضحكت وهي بتحطلي طبق قدامي، فقعدت بسرعة وأخدت حتة توست، لكن بابا كان لسه باصصلي.

_ أنا لحد دلوقتي مش فاهم إيه اللي عاجبك في إنك تنزلي مواقع ومباني لسه تحت الإنشاء.

_ عشان ده شغلي يا بابا.

_ ما أنا عارف إنه شغلك بس عندي في الشركة مكتب كامل تقدري تقعدي فيه وتشتغلي براحتك.

رفعت عيني له وأنا بمضغ آخر لقمة.

_ وإحنا اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده.

_ وإيه المشكلة لما نتكلم فيه تاني.

_ المشكلة إننا هنقول نفس الكلام وهتتعصب وأنا هتعصب وماما هتقعد تحوش بينا بقى وهتبقى ليله يا بابا طب وعلى ايه كل ده.

ماما رفعت إيدها وهي بتضحك.

_ لا أنا المرة دي مش هتدخل.

بصيتلها بعتاب.

_ كده يا ماما.

_ أيوه عشان كل يوم نفس الموال.

بابا ساب الجرنال على السفرة واتعدل في قعدته.

_ أنا مش بمنعك تشتغلي بس انا مش شايف إنك محتاجة تلفي بين المواقع والعمال طول النهار وإنتي ممكن تشتغلي في مكان أحسن.

_ بالنسبة لمين أحسن يا بابا ليا ولا لحضرتك.

_ بالنسبة ليا وليكي.

_ طيب أنا مبسوطة كده وعايزة أتعلم وأشوف شغلي بيتنفذ قدامي مش أفضل طول اليوم قاعدة في مكتب.

فضل باصصلي شوية، وبعدين مد إيده لفنجان القهوة.

_ طيب براحتك يا ملك بس متجيش بعد يومين تشتكيلي من التعب.

ابتسمت وأنا بقوم.

_ لا هتحمل نتيجة اختياري ساعتها.

_ طيب السواق جاي خلاص على وصول.

وقفت مكاني وبصيتله.

_ سواق إيه.

_ هخليه يوصلك يوصلك.

_ بابا أنا معايا عربيتي.

_ ما أنا عارف بس الموقع بعيد والزحمة على الصبح.

_ وهتفرق إيه لو ركبت مع السواق ما هو هيقف في نفس الزحمة.

ماما بصت لبابا وهي بتحاول تكتم ضحكتها، وهو هز راسه باستسلام.

_ خلاص يا ملك روحي بعربيتك وانا هكلمه.

قربت منه وبوست راسه قبل ما يلحق يقول حاجة تانية.

_ ربنا يخليك ليا يا حبيبي.

_ خلي بالك من نفسك.

_ حاضر.

طلعت من البيت وأنا بدور على مفتاح العربية في الشنطة، ولسه هركب لقيت التليفون بيرن، وكان اسم ليلى منور على الشاشة.

رديت وأنا بحط اللابتوب على الكرسي اللي جنبي.

_ صباح الفل على احلى عيون.

_ صباح النور يا هانم وصلتي.

_ لسه نازلة.

_ لسه نازلة ايه يا ملك إنتي عارفة الساعة كام.

_ عارفة يا ليلى والله متصدعنيش.

_ الحق عليا يعني اني عيزاكي متتأخريش على ميطردوكيش من اول يوم.

شغلت العربية وأنا بضحك.

_ لا مش هيطردوني متخافيش اقفلي بقى عشان أعرف أسوق.

_ استني بس هو المدير ده اسمه إيه.

_ مين.

_ صاحب المشروع يا بنتي اللي هتشتغلي معاه.

_ مش عارفه حاجه فيها ز تقريبا زياد او زين حاجة كده.

_ حاجة كده إيه هو إنتي رايحة تشتغلي عند حد مش عارفة اسمه.

_ يا ليلى هو اسمه حاجه السيوفي تقريبا زين وبعدين مش رايحة أخطبه عشان أحفظ اسمه.

ضحكت بصوت عالي.

_ يا رب بس متتخانقيش معاه من أول ما تشوفي وشه.

_ إنتي شايفاني بتاعة مشاكل يعني؟

_ عايزة الصراحه؟

_ غوري يا ليلى.

قفلت المكالمة قبل ما تكمل كلامها، وحطيت التليفون جنبي وبدأت أسوق، وأنا بفكر في كل حاجة ممكن تحصل النهارده.

كنت متحمسة جدًا للمشروع، وخصوصًا إني قعدت أسبوعين تقريبًا أراجع المخططات وأحضر ملاحظاتي وأجهز عينات للخامات اللي هنستخدمها وكان نفسي أول يوم يعدي كويس.

بس طبعًا أنا مكنتش أعرف إن أول يوم ده تحديدًا هيخليني أفكر بجد أرجع البيت وأقول لبابا يشوفلي مكتب في شركته.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

وصلت الموقع متأخرة حوالي عشر دقايق، وده بعد ما لفيت مرتين تقريبًا عشان ألاقي المدخل المخصص للمهندسين، ووقفت العربية في المكان اللي الأمن دلني عليه، وبعدها نزلت وأنا شايلة شنطتي وبحاول أظبط شعري اللي الهوا بوظه.

المستشفى كانت عبارة عن مبنى كبير لسه في مراحل التشطيبات، والواجهة الزجاجية بدأ جزء منها يتركب، وفيه عمال ومهندسين داخلين وخارجين طول الوقت، وصوت المعدات مالي المكان.

وقفت لحظة أبص للمبنى، وابتسمت لوحدي.

أنا بحب اللحظة دي، لما أشوف الرسمة اللي فضلت بالساعات أشتغل عليها على شاشة اللابتوب وهي بتتحول لحاجة حقيقية قدامي.

دخلت من البوابة بعد ما عرفت نفسي للأمن، ولبست الخوذة وسترة السلامة اللي استلمتهم، وبعدين سألت عن مكتب الإدارة.

وأنا ماشية في الممر، لقيت شاب واقف قدام مجموعة عمال وبيتكلم في التليفون، أول ما شافني قفل المكالمة وقرب مني.

_ حضرتك البشمهندسة ملك؟

ابتسمت.

_ أيوه.

_ أهلًا وسهلًا أنا سليم شريك استاذ زين في الشركة.

_ اهلًا بيك.

ابتسم لما أخد باله من الشنطة الكبيرة اللي على كتفي.

_ إنتي جايبة المكتب كله معاكي ولا إيه.

ضحكت.

_ لا ده أنا كنت هجيب عينات كمان بس قلت أول يوم مينفعش أبان مجنونة.

_ لا متقلقيش إحنا هنا متعودين على المجانين.

_ كويس أهو هحس إني وسط أهلي.

ضحك ومشي معايا ناحية المكتب، وهو بيشرحلي تقسيم الموقع وأماكن المكاتب، وبيسألني عن الرسومات اللي المكتب الاستشاري بعتها.

كان شخص لطيف جدًا، والى حد ما بدأت أحس إن اليوم ممكن يعدي من غير كوارث.

وصلنا لمكتب صغير مخصص لفريق التصميم، وحطيت حاجتي وفتحت اللابتوب، وبعدها سليم أخدني نلف على الدور الأرضي اللي كان فيه الاستقبال والعيادات وبعض مناطق الانتظار.

وأنا بمراجع القياسات في ممر قريب من الاستقبال، لاحظت حاجة مش مظبوطة.

كان فيه تجويف في الحيطة مخصص لوحدات التخزين المدمجة، لكن المسافة الفعلية بين العمود والباب أقل من اللي موجود في المخطط اللي اتبعتلي، ولو العمال كملوا تنفيذ الكسوة بالمقاسات القديمة، جزء من الباب مش هيفتح بكامل زاويته.

طلبت من المهندس الموجود يوقف تنفيذ الكسوة في الجزء ده بس لحد ما نراجع المقاسات، وهو وافق بعد ما قاس معايا، وبعتنا الملاحظة لفريق التنفيذ.

كنت لسه بشرح لسليم المشكلة لما سمعت صوت حد جاي من آخر الممر وهو بيتكلم بعصبية.

_ مين اللي قال للنجارين يوقفوا الشغل هنا.

لفيت ناحية الصوت، ولقيت شاب طويل داخل علينا ومعاه مهندس تاني، لابس قميص كحلي وأكمامه مرفوعة، وفي إيده رسومات ملفوفة.

من أول ما وصل كان واضح إنه متضايق.

سليم بصله.

_ أنا كنت لسه هكلمك يا زين.

آه.

يبقى هو ده زين.

بصلي بسرعة وبعدين رجع لسليم.

_ خير؟

سليم شاور على الحائط.

_ البشمهندسة ملك لقت اختلاف في المقاسات بتاعة الجزء ده وطلبت نوقف الكسوة لحد ما نراجع.

زين بص ناحية العمال وبعدين رجع بصلنا.

_ والجزء ده بقاله قد إيه واقف.

رديت قبل سليم.

_ حوالي ربع ساعة.

بصلي للمرة التانية، المرة دي بشكل مباشر.

_ وحضرتك مين؟!

ابتسمت ابتسامة بسيطة.

_ ملك الراوي مهندسة التصميم الداخلي من المكتب الاستشاري.

ملامحه اتغيرت أول ما قلت اسمي، لدرجة إني لاحظت إنه سكت ثانية قبل ما يرد.

_ الراوي؟

_ أيوه.

بص لسليم اللي كان واقف جنبي، وبعدها رجع بصلي.

_ وإنتي أول يوم ليكي هنا.

_ أيوه.

_ وأول قرار خدتيه إنك توقفي الشغل؟!

بصيتله باستغراب.

_ أنا موقفتش الشغل كله أنا طلبت وقف تنفيذ جزء صغير لحد ما نتأكد من القياسات.

_ ما هو الجزء الصغير ده مرتبط بباقي الشغل يا بشمهندسة وعندنا جدول تنفيذ لازم نمشي عليه.

_ وأنا فاهمة ده بس مينفعش نركب حاجة غلط عشان نلحق الجدول.

رفع الورق اللي في إيده.

_ الرسومات متراجعة ومعتمدة من أسبوعين.

_ الرسومات المعتمدة فيها قياسات مختلفة عن الموجود على الطبيعة.

_ يعني إيه.

فتحت الرسمة اللي كنت ماسكاها وورّيته مكان الاختلاف، وبعدين شاورته على الحيطة.

_ حضرتك بص المسافة دي المفروض تبقى متر وعشرين لكن الموجودة هنا متر وخمسة بس.

بص للمكان وبعدها للرسمة.

_ ومين قال إن القياس اللي عندك هو الصح.

بصيتله وأنا مش مصدقة السؤال.

_ حضرتك ممكن تقيس بنفسك.

سليم اتدخل وهو بيحاول يخفف الجو.

_ يا زين الموضوع بسيط هنراجع القياس ولو فيه اختلاف نعدل التفصيلة وخلاص.

لكن زين كان لسه باصصلي.

_ بعد إذنك يا بشمهندسة أي قرار يخص إيقاف التنفيذ لازم يرجعلي الأول.

_ طبعًا وده حق حضرتك بس أنا بلغت مهندس الموقع قبل ما نوقف الجزء ده.

_ وأنا بقول لحضرتك بلغيني أنا.

ابتسمت ابتسامة متكلفة.

_ حاضر يا بشمهندس بس لو سمحت لما نراجع المقاس الأول عشان منضيعش وقت أكتر.

سليم بص في الأرض وهو بيكتم ضحكته، أما زين فبصلي شوية كأنه مش متعود حد يقفل معاه الكلام بالطريقة دي، وبعدها لف للمهندس اللي معاه وطلب منه يراجع القياسات.

وقفت مكاني وأنا مستنية، وزين كان واقف بعيد شوية بيتكلم في التليفون، لكن من وقت للتاني كنت بحس إنه بيبص ناحيتي.

بعد حوالي عشر دقايق رجع المهندس ومعاه القياسات الجديدة، واتأكد إن كلامي صح فعلًا.

بصيت لسليم وابتسمت، وهو هز راسه بمعنى إنه فهم، وبعدها بص لزين.

_ أهو يا زين القياس مختلف فعلًا.

زين أخد الورقة وقراها، وبعدها قال للمهندس يعمل تعديل في التفصيلة قبل ما التنفيذ يكمل.

كنت مستنية منه حتى كلمة بسيطة، لكن هو اكتفى إنه بصلي وقال:

_ المرة الجاية تبعتي الملاحظة كتابة قبل ما توقفي التنفيذ.

اتنهدت وأنا بحاول أتمالك أعصابي.

_ حاضر.

ولما اتحرك من قدامي، بصيت لسليم وقلت بصوت واطي:

_ هو انتو اكيد بتاخدوا تدريب على الصبر قبل ما تشتغلوا مع الراجل ده صح.

سليم انفجر ضحك، وحاول يسكت بسرعة لما زين لف ناحيتنا.

_ في حاجة يا سليم.

سليم هز راسه وهو بيكتم ضحكته.

_ لا يا زين مفيش حاجة.

زين بصلي نظرة سريعة، وبعدها كمل طريقه.

وأنا فضلت واقفة مكاني، وبقول لنفسي إن أول يوم لسه مخلصش.

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

كنت واقف في مكتبي قدام الشباك وبراجع مكالمة من مورد الرخام، لكن الحقيقة إني من ساعة ما سمعت اسمها وأنا مش مركز في كلمة واحدة.

ملك الراوي.

الاسم كان كفاية يرجعني سنين لورا، لأيام كنت فاكر إني نسيتها أو على الأقل اتعلمت أعيش من غير ما أفكر فيها كل شوية.

سمعت خبطتين على الباب، وبعدها سليم دخل من غير ما يستنى الرد، وحط ملف على مكتبي وقعد على الكرسي اللي قدامي.

_ إيه يا يسطا مالك.

بصيتله.

_ مالي.

_ مش عارف والله بس حاسس إنك عايز تتخانق من الصبح.

رجعت للملف اللي في إيدي.

_ عندنا شغل كتير يا سليم.

_ ما هو إحنا كل يوم عندنا شغل كتير بس مش كل يوم بتكلم الناس كأنهم جايين يحرقوا الموقع.

رفعت عيني له.

_ لو قصدك على المهندسة الجديدة فهي كان لازم تبلغني قبل ما توقف التنفيذ.

سليم سند ضهره للكرسي.

_ هي بلغت مهندس التنفيذ والراجل وافق ومعاها حق أصلًا في الملاحظة.

_ وانا عارف على فكره.

_ أمال كنت بتتكلم معاها بالطريقة دي ليه.

سكت ومردتش، فقرب سليم من المكتب شوية.

_ استنى كده هو الموضوع له علاقة باسمها.

بصيتله من غير ما أتكلم.

سليم اتعدل في مكانه.

_ الراوي…

فضلت ساكت، وهو فهم لوحده.

_ يا نهار أبيض دي بنت فؤاد الراوي.

_ أيوه.

_ وإنت كنت عارف إنها هتيجي.

_  طبعا لا.

سليم مسح على وشه وهو بيتنهد.

_ طب دي مشكلة كده.

ضحكت بسخرية.

_ مشكلة بس؟ اصل أنا اللي كان ناقصني أشوف بنته كل يوم في المشروع.

_ طيب اهدى بس.

_ أنا هادي.

_ آه واضح جدًا.

ساب الملف على المكتب وبصلي بجدية.

_ زين البنت دي شغالة عن طريق المكتب الاستشاري وإحنا اللي وافقنا على الفريق من غير ما نراجع أسماء كل الناس اللي فيه وهي معملتش حاجة غلط لحد دلوقتي.

_ أنا مقولتش إنها عملت حاجة غلط.

_ لا إنت بس اتعاملت معاها كأنها جت تبوظ شغلك.

بصيتله وأنا حاسس إن أعصابي بدأت تشد.

_ هو إنت جاي تدافع عنها ولا إيه أنا مش فاهمك.

_ أنا جاي أقولك إنك بتظلمها.

سكت شوية وبعدين قفلت الملف اللي قدامي.

_ أنا مش قادر أشوف اسم الراجل ده قدامي وأتعامل عادي يا سليم.

سليم بصلي من غير ما يقاطعني.

_ كل اللي إحنا وصلناله ده كان المفروض أبويا يوصل لأكتر منه بكتير لولا اللي حصل.

_ عارف يا زين ومش محتاج تفكرني بس برضو البنت ملهاش ذنب.

_ ما أنا عارف.

قلت الجملة بسرعة، لكن لما سمعتها من نفسي حسيت إني مش مقتنع بيها بالشكل الكافي.

سليم قام من مكانه وقرب من الشباك.

_ بص أنا مش هقولك تنسى اللي حصل ولا تسامح أبوها بس شغلنا هنا مينفعش يدخل فيه الكلام ده.

بصيتله.

_ إنت عايز إيه يعني.

_ عايزك تتعامل معاها كمهندسة عندها شغل مطلوب منها وبس.

رجعت بصيت على المخطط اللي فوق المكتب، وأنا عارف إنه عنده حق، بس المعرفة حاجة والقدرة على تنفيذها حاجة تانية خالص.

سليم رجع يمسك الملف.

_ وبعدين على فكرة البنت شاطرة.

رفعت عيني له.

_ إنت لحقت تحكم عليها.

_ من الملاحظة اللي طلعتها النهارده آه ده غير إنها جاية محضرة شغلها كويس.

_ خلاص يا سليم هي دفعالك كام.

ضحك.

_ طب أقولك حاجة.

_ قول.

_ أنا حاسس إنك هتتعب معاها.

بصيتله بضيق.

_  ليه يا ابو الاحاسيس؟

_ عشان أول مرة أشوف حد يرد عليك وإنت متنرفز بدل ما يتنفض من مكانه.

ابتسمت غصب عني وأنا بفتكر شكلها وهي بتقولي أقيس بنفسي، لكن الابتسامة اختفت أول ما افتكرت اسم أبوها.

_ سليم.

_ نعم.

_ خلينا في شغلنا.

_ حاضر يا معلم.

خرج وهو بيضحك، وسابني واقف لوحدي.

كنت فاكر إني لما كبرت وبقيت عندي شركتي وشغلي الخاص مش هيبقى فيه حاجة تقدر ترجعني للإحساس القديم ده…إحساس إني واقف عاجز وأنا شايف أبويا بيخسر كل حاجة تعب فيها، والناس اللي كانو واكلين معاه عيش وملح بتتكلم عنه من وراه كأنه نصاب.

فؤاد الراوي كان واحد من الناس اللي أبويا وثق فيهم، ودي كانت أكبر غلطة عملها في حياته.

لقيت نفسي بفتح درج المكتب وأطلع منه صورة قديمة، كنت محتفظ بيها من أيام ما نقلنا المكتب هنا…صورة لأبويا واقف قدام شركته القديمة، حاطط إيده على كتفي وأنا لسه طالب في الجامعة.

فضلت أبصله شوية وبعدين رجعت الصورة مكانها.

أنا مكنتش عايز أفضل عايش في الماضي، لكن كل ما افتكر إن الراجل اللي اتسبب في كل ده مكمل حياته عادي، بحس إني مهما عملت لسه في حاجة ناقصة.

ومعرفتش وقتها إن بنته هتبقى جزء من حياتي بالشكل اللي حصل بعد كده.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

بعد أول مقابلة مع زين، قررت إني هعمل حاجة واحدة بس طول فترة شغلي في المشروع: أشتغل كويس وأبعد عنه على قد ما أقدر.

بس واضح إن الدنيا كان ليها رأي تاني.

الساعة كانت قربت اتنين لما رجعت مكتبي بعد لفة طويلة في الموقع، وكنت خلاص هبدأ أرتب الملاحظات على اللابتوب، لكن لقيت رسالة من سليم بيطلب مني أطلع مكتب زين عشان نراجع تعديل منطقة الاستقبال.

بصيت للرسالة واتنهدت.

_ يا رب الصبر من عندك.

أخدت اللابتوب والرسومات وطلعت للدور اللي فيه مكاتب الإدارة، ولما وصلت خبطت على الباب وسمعت صوته من جوه.

_ اتفضل.

فتحت الباب ودخلت، لقيته قاعد على المكتب وسليم واقف قدام شاشة كبيرة عليها المخطط.

سليم ابتسم أول ما شافني.

_ اتفضلي يا بشمهندسة إحنا هنبدأ اهو.

قعدت على الكرسي اللي جنب الشاشة وفتحت اللابتوب، وزين كان بيقلب في شوية أوراق من غير ما يبص ناحيتي.

بدأنا نراجع منطقة الاستقبال، وكنت عاملة اقتراح لتعديل توزيع بعض المقاعد عشان الحركة تبقى أسهل، خصوصًا للمرضى اللي بيستخدموا كراسي متحركة.

سليم كان مقتنع بالفكرة، لكن زين وقف عند جزء معين في التصميم.

_ الواجهة الخشبية دي مش هتنفع بالشكل ده.

بصيت للشاشة.

_ ليه.

_ عشان الصيانة هتبقى صعبة.

_ الخامة اللي مختاراها مقاومة للرطوبة وسهلة التنضيف وأنا باعتة المواصفات الفنية مع الملف.

_ مش بتكلم عن التنضيف بتكلم عن الوصول للتمديدات اللي وراها.

قربت من الشاشة وشاورت على جزء في المخطط.

_ عشان كده عاملين ألواح قابلة للفك في المناطق دي.

زين بص للمخطط شوية.

_ طب والجزء اللي تحت الكونتر.

_ نفس الفكرة بس بتفصيلة مختلفة.

سليم قرب يشوفها.

_ اه دي كويسة على فكرة.

زين فضل يقلب بين الصفحات، وبعدها بصلي.

_ إنتي عاملة كل التفاصيل دي من إمتى.

_ من الأسبوع اللي فات.

_ والمكتب الاستشاري راجعها.

_ أيوه.

_ طيب ليه مش موجودة في النسخة اللي عندي.

فتحت الإيميل وورّيته تاريخ الإرسال.

_ حضرتك غالبًا فاتح النسخة القديمة.

سليم مال على الشاشة وبعدين بص لزين بابتسامة.

_ أيوه يا زين دي نسخة يوم الاتنين وإحنا بعتنا التعديل الخميس.

زين بصلنا وبعدين رجع للشاشة.

_ تمام.

استنيت ثانيتين وبعدين قلت:

_ تمام يعني نعتمدها؟

_ بعد ما أراجع التفاصيل الإنشائية والكهربا.

_ تمام.

سكتنا شوية وأنا بكتب الملاحظات، وبعدها سليم جاله اتصال واضطر يخرج، وسابني مع زين لوحدنا.

فضلت قاعدة مستنية يخلص مراجعة باقي الرسومات، وهو كان بيتنقل بين الصفحات وبيسألني من وقت للتاني عن خامة أو مقاس، وأنا بجاوبه.

لحد ما وقف عند صفحة فيها توزيع الإضاءة.

_ إنتي حاطة وحدات إضاءة معلقة هنا ليه.

_ عشان دي منطقة انتظار مش ممر حركة رئيسي والوحدات هتدي إضاءة مناسبة للشكل العام.

_ بس السقف هنا ارتفاعه أقل من المنطقة اللي جنبها.

_ أنا عاملة حساب الارتفاع.

_ متأكدة؟

بصيتله.

_ ايوه متأكدة.

_ عشان مش عايزين نرجع نعدل بعد التنفيذ.

قفلت القلم اللي في إيدي وحطيته على المكتب.

_ أنا عايزه افهم هو حضرتك عندك مشكلة مع شغلي ولا معايا أنا.

زين رفع عينه من الشاشة وبصلي.

_ نعم؟

_ بسأل حضرتك سؤال عادي.

_ وأنا مش فاهم السؤال.

_ من الصبح أي حاجة بقولها لازم تتراجع خمس مرات حتى لو واضحة في الرسومات وفي الآخر بتطلع صح وبرضو حضرتك بتفضل تتكلم معايا كأني مش فاهمة شغلي.

سند ضهره للكرسي.

_ إنتي لسه أول يوم ليكي وطبيعي أراجع شغلك.

_ وأنا معنديش مشكلة إن حضرتك تراجعه بس فيه فرق بين المراجعة وبين إنك تفترض من الأول إن فيه حاجة غلط.

فضل باصصلي شوية، وأنا بدأت أندم إني فتحت الموضوع، لكن كنت متضايقة فعلًا ومش قادرة أسكت.

_ بصي يا بشمهندسة ملك أنا مسؤول عن تنفيذ المشروع كله وأي غلطة فيه بتتحسب عليا فمن حقي أتأكد من كل تفصيلة.

_ وأنا مش معترضة على ده خالص.

_ أمال إيه المشكلة.

_ طريقة الكلام.

سكت.

كنت متوقعة يتعصب أو يقولي الكلام مش عاجبك امشي، لكن هو فضل باصصلي ثواني وبعدين قام من مكانه وراح ناحية الشباك.

_ لو طريقتي ضايقتك النهارده فـ ده مش مقصود.

مكنتش متوقعة منه الجملة دي، لدرجة إني اتلخبطت شوية قبل ما أرد.

_ تمام.

لف وبصلي.

_ بس برضو أي تعديل لازم يمر عليا قبل ما يتنفذ.

ضحكت غصب عني.

_ حاضر يا بشمهندس والله فهمت.

رفع حاجبه.

_ بتضحكي على إيه.

_ أصل حضرتك قلتلي الجملة دي مليون مره من الصبح.

بصلي بضيق بسيط، لكني لمحت ابتسامة صغيرة ظهرت على وشه واختفت بسرعة.

_ عشان واضح إنك مش بتسمعي الكلام من أول مرة.

_ لا أنا بسمعه بس بحب أتأكد إن حضرتك مقتنع إني سمعته.

سمعنا صوت ضحكة من ناحية الباب، ولما لفينا لقينا سليم واقف وسمع آخر جملة.

_ معلش أنا آسف بس كنت داخل أسأل وصلتوا لفين.

زين بصله.

_ اتفضل يا سليم خد الملف ده وراجع مع مهندس الكهربا.

سليم قرب ياخد الملف وهو لسه بيضحك.

_ حاضر بس واضح إن الاجتماع كان مثمر بصراحة.

بصيتله وحاولت أكتم ضحكتي، لكن زين كان باصص لنا بنظرة خلتني أقوم من مكاني بسرعة.

_ طيب أنا هروح أكمل باقي الشغل ولو فيه أي ملاحظات ابعتهالي.

زين رجع قعد على كرسيه.

_ تمام.

مشيت ناحية الباب، وقبل ما أخرج سمعت صوته بيناديني.

_ ملك.

لفيتله.

_ نعم.

_ شغلك في الاستقبال كويس.

وقفت مكاني ثانية وأنا مش عارفة إذا كان بيتكلم بجد ولا بيحاول ينهي الحوار بطريقة لطيفة.

_ شكرًا.

خرجت وقفلت الباب ورايا، ولقيت سليم خارج بعدي بثواني.

بصلي وهو مبتسم.

_ مبروك.

استغربت.

_ على إيه.

_ زين قالك شغلك كويس.

ضحكت.

_ هو ده إنجاز يعني.

_ ده لو قالهالي أنا بعتبر اليوم عيد.

فضلت أضحك وأنا ماشية جنبه.

_ لا واضح إن الجو عندكوا صحي جدًا.

_ استحمليه شوية وهتتعودي.

بصيتله باستنكار.

_ أستحمله شوية إيه يا سليم ده أنا لسه أول يوم.

_ أهو يوم وعدى.

_ لا لسه الساعة تلاتة.

سليم ضحك.

_ عندك حق ربنا يستر على الباقي.

رجعت مكتبي وأنا أخيرًا حاسة إني قادرة أتنفس، وبدأت أكمل شغلي لحد ما الوقت عدى من غير ما أحس.

وقبل ما أمشي بساعتين تقريبًا، حصل موقف صغير خلاني أبص لزين بشكل مختلف، ولو للحظات.

كنت خارجة من مكتب التصميم لما لقيت عامل كبير في السن واقف جنب السلم وبيحاول يشرح لمهندس حاجة تخص زميله اللي اتصاب في إيده أثناء نقل بعض المعدات.

قبل ما أقرب منهم، زين ظهر من آخر الممر، وأول ما سمع الموضوع سأل عن العامل المصاب، وبعدها طلب يتأكدوا إنه اتنقل يكشف على إيده وإن محضر السلامة اتعمل.

الراجل الكبير كان بيقول إن زميله خايف يغيب من الشغل، لكن زين رد عليه بهدوء.

_ هو يروح يطمن على نفسه الأول ومحدش هيخصم منه حاجة بسبب الإصابة دي.

الراجل شكره أكتر من مرة، وزين طلب من مسؤول السلامة يراجع سبب الحادث قبل ما الشغل يكمل في المنطقة دي.

وقفت بعيد شوية وأنا بتابع الموقف من غير ما أتدخل.

مكانش بيتكلم بنفس العصبية اللي كلمني بيها من الصبح، بالعكس، كان هادي وبيسمع الراجل للآخر.

ولما اتحرك ناحيتي لاحظ إني واقفة، فبصلي وقال:

_ خلصتي مراجعة الاستقبال.

اتعدلت بسرعة.

_ أيوه وبعت الملاحظات لسليم.

_ تمام.

ومشي.

فضلت بصاله ثانيتين وبعدها هزيت راسي.

هو أنا مالي أصلًا.

مش لازم أفهم شخصيته من أول يوم، خصوصًا إن آخر حاجة كنت عايزاها هي إني أقضي وقتي أفكر في مدير مشروع زي ده.

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

رجعت البيت بعد المغرب بشوية، وكنت حرفيًا حاسة إن رجلي مش شايلاني من كتر اللف في الموقع، وأول ما دخلت رميت الشنطة على أقرب كرسي وقعدت على الكنبة.

ماما كانت قاعدة بتتفرج على مسلسل، وأول ما شافتني بصتلي بضحكة.

_ حمد لله على السلامة يا بشمهندسة.

_ الله يسلمك يا ماما.

_ إيه الأخبار.

ميلت براسي على ضهر الكنبة.

_ أنا عايزة أنام تلات أيام من غير ما حد يصحيني.

ضحكت وقربت مني.

_ للدرجة دي.

_ لا الشغل نفسه حلو جدًا بس أنا مش متعودة ألف كل ده في يوم واحد.

_ طب ومدير المشروع عامل معاكي إيه.

فتحت عين واحدة وبصيتلها.

_ هو حضرتك تعرفيه.

_ لا بس بسأل.

اتعدلت شوية.

_ ده محتاج حد يدعيله كتير يا ماما.

ضحكت.

_ ليه بس.

_ عشان عصبي ومش بيعجبه العجب وكل حاجة لازم تتراجع قدامه عشرين مرة.

_ يمكن عشان أول يوم ولسه مش عارف شغلك.

_ أنا قلت كده برضو بس الراجل ده واضح إن الضحك عنده ممنوع في ساعات العمل.

ماما ضحكت أكتر.

_ يا بنتي استحمليه وخليكي في شغلك.

_ ما أنا كده كده ده اللي هعمله.

قامت تجيبلي أكل، وأنا فضلت قاعدة شوية لحد ما التليفون رن، وكان بابا.

رديت عليه وأنا بمد رجلي على الكنبة.

_ أيوه يا بابا.

_ وصلتي البيت.

_ أيوه من شوية.

_  عملتي إيه.

_ الحمد لله كويس.

_ والمديرين هناك كويسين معاكي.

فكرت ثانية قبل ما أرد.

_ آه عادي يعني.

_ طيب خلي بالك من نفسك ولو احتجتي أي حاجة كلميني.

_ حاضر يا حبيبي.

قفلت معاه وحطيت التليفون جنبي، وماما رجعت بالأكل، فقعدت أحكيلها عن المشروع والتصميمات والملاحظات اللي طلعتها، وتجنبت أتكلم كتير عن زين.

مش عارفة ليه، بس حسيت إن بابا لو عرف إني اتخانقت مع مدير المشروع من أول يوم هيستغل الفرصة ويقعد يقنعني أسيب الشغل.

وأنا بصراحة مكنتش مستعدة أسمع المحاضرة دي.

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

رجعت البيت الساعة تسعة ونص تقريبًا، وبعد ما ركنت العربية فضلت قاعد فيها دقيقتين من غير ما أتحرك.

اليوم كان طويل، والمكالمات مخلصتش، وفوق كل ده كنت طول الوقت بحاول أركز في الشغل وأبعد تفكيري عن البنت الجديدة اللي ظهرت فجأة في المشروع.

طلعت البيت ولقيت أمي قاعدة في الصالة بتقرأ في المصحف، وأول ما شافتني قامت من مكانها.

_ حمد لله على السلامة يا حبيبي.

قربت وبوست راسها.

_ الله يسلمك يا ست الكل.

_ إيه يا زين كل ده تأخير.

_ كان عندنا شغل كتير والله.

_ طب احضرلك العشا.

_ لا متتعبيش نفسك أنا هغير هدومي وآكل أي حاجة.

بصتلي بعتاب.

_ أي حاجة إيه وأنا قاعدة هنا.

ابتسمت.

_ خلاص يا أمي اعمليلي اللي إنتي عايزاه.

_ أهو ده الكلام.

دخلت أوضتي وغيرت هدومي، وبعدها رجعت قعدت معاها على السفرة، وكانت بتحط الأكل وهي بتحكيلي عن خالتي اللي كلمتها النهارده وعن مشكلة حصلت عندهم في البيت.

كنت بسمعها وبرد من وقت للتاني، لكن واضح إني مكنتش مركز، لأنها وقفت كلام فجأة وبصتلي.

_ زين.

_ نعم يا ماما.

_ مالك.

_ مالي يا حبيبتي.

_ من ساعة ما دخلت وإنت سرحان.

أخدت رشفة مية.

_ شوية ضغط في الشغل بس.

قعدت قدامي.

_ هو المشروع فيه مشكلة.

_ لا الحمد لله كله تمام.

_ أمال إيه.

سكت شوية وبعدها حطيت المعلقة على الطبق.

_ فاكرة فؤاد الراوي يا أمي.

أمي اتغير وشها أول ما سمعت الاسم، وفضلت باصالي لحظات قبل ما ترد.

_ ماله.

_ بنته بدأت شغل عندنا النهارده.

_ بنته؟!

هزيت راسي.

_ مهندسة ديكور في المكتب الاستشاري اللي ماسك التصميم الداخلي للمستشفى.

أمي سكتت وهي بتحاول تستوعب الكلام، وبعدها سألتني بهدوء:

_ وإنت عرفت منين إنها بنته.

_ اسمها ملك فؤاد الراوي.

_ يمكن تشابه أسماء.

_ لا يا أمي أنا اتأكدت.

اتنهدت وهي بترجع ضهرها للكرسي.

_ سبحان الله.

فضلت مستنيها تقول حاجة، لكنها قامت تشيل الطبق الفاضي من قدامي، فمسكت إيدها.

_ إنتي مش هتقولي حاجة.

بصتلي.

_ عايزني أقول إيه يا زين.

_ مش عارف.

رجعت قعدت قدامي.

_ بص يا حبيبي أنا أكتر واحدة عارفة اللي حصل لأبوك وعارفة إنت شيلت قد إيه وإنت لسه صغير بس البنت دي ملهاش ذنب في اللي حصل.

بصيت بعيد.

_ سليم قال نفس الكلام.

_ عشان هو ده الصح.

سكت شوية، وبعدها سألتها:

_ وإنتي تقدري تنسي اللي الراجل ده عمله.

أمي عينيها لمعت لحظة، لكنها ردت بهدوء.

_ أنا عمري ما نسيت يا زين بس مش عايزة اللي حصل زمان يفضل يتحكم في حياتك لحد دلوقتي.

_ أنا مش سايب الموضوع يتحكم في حياتي.

ابتسمت ابتسامة حزينة.

_ أمال إنت متضايق ليه من وجود بنته في شغلك.

معرفتش أرد.

هي كملت وهي بتمسك إيدي.

_ أبوك كان نفسه يشوفك ناجح ومبسوط مش عايش طول عمرك بتحارب ناس تانية عشان اللي حصل له.

_ وأنا ناجح الحمد لله.

_ وعايزاك تفضل كده من غير ما تظلم حد في طريقك.

فضلت ساكت شوية، وبعدها ابتسمت لها وأنا بحاول أغير الموضوع.

_ هو إنتي كل ما أجي أحكيلك حاجة لازم تطلعيني أنا الغلطان.

ضحكت.

_ عشان إنت عنيد يا زين ومبتحبش حد يقولك إنك غلطان.

_ طب ما يمكن أطلع صح المرة دي.

_ ربنا يهديك.

ضحكت وأنا بقوم من على السفرة، وبوست راسها تاني قبل ما أدخل أوضتي.

بس طول الليل تقريبًا، فضلت أفكر في كلامها.

وفكرت كمان في ملك.

مش في شكلها ولا في أي حاجة من الكلام ده، لكن في الطريقة اللي وقفت بيها قدامي وهي بتدافع عن شغلها، وفي إنها كانت صح فعلًا في موضوع القياسات.

أنا مكنتش بحب أظلم حد، ومكنتش متعود أقلل من شغل حد لمجرد إني متضايق منه.

ومع ذلك، ده تقريبًا اللي عملته معاها النهارده.

فتحت اللابتوب أراجع شوية ملفات قبل ما انام، ولقيت آخر نسخة من تصميم الاستقبال موجودة قدامي.

فضلت أبص للتفاصيل شوية، وبعدين فتحت الإيميل وبعت لسليم الموافقة المبدئية على التعديلات اللي اتفقنا عليها.

قفلت اللابتوب بعدها، وأنا مقرّر إن بكرة هتعامل معاها بشكل مهني وبس.

بنت فؤاد الراوي هتفضل بالنسبة لي مهندسة شغالة في مشروعي.

لا أكتر ولا أقل.

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

تاني يوم صحيت بدري على غير العادة، وده كان إنجاز يستحق الاحتفال، خصوصًا إني مكنتش عايزة أدي زين أي فرصة يعلق على تأخيري.

وصلت الموقع قبل معادي بحوالي ربع ساعة، وسلمت على الأمن ودخلت المكتب أحط حاجتي، وبعدها عملت قهوة وقعدت أراجع الإيميلات اللي وصلتلي من امبارح.

لقيت رسالة من سليم بيبلغني فيها إن تعديلات الاستقبال اتوافق عليها مبدئيًا وإننا هنبدأ ننسق مع فريق التنفيذ النهارده.

ابتسمت وأنا بقرا الرسالة وأخيرًا حسيت إن اليوم بدأ بشكل كويس خصوصًا بعد كمية الخناقات اللي حصلت امبارح.

كنت لسه هفتح ملف التصميم لما شاشة الموبايل نورت قدامي بإشعار واتساب من رقم مش متسجل عندي، استغربت في الأول وافتكرت إنه حد من مهندسين الموقع، لكن لما فتحت المحادثة لقيت صورة قديمة لراجلين واقفين قدام مبنى شركة.

قربت الموبايل مني وبصيت للصورة كويس، وأول ما عرفت واحد فيهم اتعدلت في قعدتي.

بابا؟

كان أصغر بسنين كتير، لابس بدلة رمادي وواقف مبتسم جنب راجل تاني حاطط إيده على كتفه، وتحت الصورة كان فيه اسم شركة مكتوب على الواجهة.

السيوفي والراوي للمقاولات.

فضلت أبص للاسم شوية وأنا مستغربة، خصوصًا إني عمري ما سمعت بابا بيتكلم عن شركة بالاسم ده، رغم إني عارفة إنه اشتغل في المقاولات من زمان قبل ما يوسع نشاطه.

نزلت تحت الصورة ولقيت رسالة تانية من نفس الرقم.

_ قبل ما تكملي شغل في المستشفى اسألي أبوكي عن علاقته بعيلة السيوفي وعن اللي حصل زمان.

عقدت حواجبي وبصيت للرقم تاني، وبعدها كتبتله بسرعة.

_ حضرتك مين وجبت رقمي منين؟؟

الرسالة اتبعتت، لكن مفيش رد، وحتى صورة البروفايل كانت فاضية.

استنيت شوية وأنا ببص للشاشة، وبعدها رجعت فتحت الصورة وقربت على وش الراجل اللي جنب بابا، وحاولت أفتكر إذا كنت شوفته قبل كده في أي مناسبة أو صورة قديمة عندنا في البيت، لكن ملامحه مكنتش مألوفة بالنسبة لي.

اللي كان شاغلني أكتر من الصورة نفسها هو اسم السيوفي.

افتكرت شكل زين امبارح أول ما قلتله اسمي كامل، وإزاي اتغيرت ملامحه للحظة وبص لسليم، وافتكرت كمان معاملته ليا من غير سبب واضح، رغم إنه مكانش يعرفني أصلًا.

مسكت الموبايل وكلمت ليلى، وردت عليا بعد كام رنة بصوت مليان نوم.

_ إيه يا بنتي في حد بيتصل بدري كده.

_ ليلى.

_ في ايه؟

_ رقم غريب باعتلي صورة قديمة لبابا مع واحد ومكتوب وراهم اسم شركة السيوفي والراوي للمقاولات.

_ طب وإيه المشكلة مش يمكن كان شريكه زمان.

_ ما هو اسم مدير المشروع اللي شغالة معاه زين السيوفي.

سكتت ليلى ثواني وبعدها قالت باستغراب.

_ استني كده يعني إنتي تقصدي إن أبوكي كان شريك أبو مديرك.

_ أنا مش عارفة بس واضح إن فيه حاجة حصلت بينهم لأن الرقم باعتلي كلام غريب.

_ كلام إيه.

قريت لها الرسالة، وهي طلبت مني أبعتلها سكرين شوت، وبعد ما شافتها رجعت كلمتني.

_ بصي يا ملك مترديش على الرقم ده تاني قبل ما تعرفي هو مين ومتبنيش أي حاجة على رسالة من حد مجهول.

_ أنا أصلًا مش فاهمة هو عايز مني إيه.

_ طب اسألي باباكي الأول وبلاش تدخلي نفسك في مشاكل ملهاش علاقة بيكي.

_ هكلمه وأفهم منه.

قفلت معاها وأنا لسه متضايقة من الموضوع، وبصيت للمحادثة مرة أخيرة قبل ما أفتح رقم بابا وأتصل بيه.

رد بعد كام رنة، وكان صوته طبيعي جدًا.

_ صباح الخير يا ملك.

_ صباح النور يا بابا إنت فاضي شوية.

_ أيوه يا حبيبتي خير.

_ كنت عايزة أسألك عن حاجة.

_ اسألي.

اترددت لحظة وأنا ببص للصورة اللي قدامي، وبعدها سألته.

_ هو حضرتك تعرف عيلة اسمها السيوفي.

سكت.

استنيت شوية، لكن لما مردش بعدت التليفون عن ودني أبص على الشاشة، والمكالمة كانت لسه شغالة.

_ بابا سامعني.

رد بعد ثواني بصوت مختلف تمامًا عن الأول.

_ إنتي سمعتي الاسم ده فين يا ملك.

_ ده اسم المهندس اللي أنا شغالة معاه في المستشفى.

_ اسمه إيه كامل.

_ زين عاصم السيوفي.

سكت تاني، وبدأت أحس إن فيه حاجة فعلًا مش طبيعية.

_ بابا هو حضرتك تعرفه.

_ وإنتي عرفتي منين إنه ابنه.

عقدت حواجبي.

_ ابن مين أنا مش فاهمة.

مردش، وسمعت صوت حركة عنده وبعدها صوت باب بيتقفل.

_ ملك إنتي بتقولي إن صاحب المشروع اللي شغالة فيه اسمه زين  عاصم السيوفي.

_ أيوه يا بابا هو في إيه بالظبط.

_ إنتي اتعاملتي معاه؟

استغربت سؤاله أكتر.

_ طبعًا اتعاملت معاه ده مدير المشروع.

_ وقالك حاجة عني.

_ لا اكيد مقالش بس هو حضرتك تعرفه او تعرف والده.

كنت مستنية يرد، لكن بدل ما يجاوبني سألني بعصبية واضحة.

_ مين اللي فتح معاكي الموضوع ده؟

بصيت للموبايل اللي قدامي وأنا مش عارفة أقوله على الرسالة ولا لأ، وفي الآخر قررت إني مش هخبي حاجة.

_ فيه رقم غريب بعتلي على الواتساب صورة قديمة لحضرتك مع راجل تاني قدام شركة اسمها السيوفي والراوي.

_ إيه!

_ وبعتلي رسالة بيقولي أسألك عن اللي حصل زمان.

سمعته بياخد نفسه بعصبية، وبعدها قال بصوت حاسم.

_ ملك إنتي من بكرة مش هتروحي المشروع ده تاني.

اتعدلت في قعدتي وأنا مش مصدقة اللي سمعته.

_ إيه؟!

_ سمعتي اللي قولته.

_ لا معلش هو إيه اللي حضرتك بتقوله ده.

_ هتكلم مع المكتب الاستشاري بنفسي وأنهي الموضوع.

قومت من على الكرسي وأنا بحاول أفهم إيه اللي قلب الدنيا بالشكل ده.

_ استنى بس يا بابا حضرتك هتنهي إيه أنا عندي عقد وشغل وناس اتفقت معاهم.

_ أنا مش بناقشك يا ملك.

_ وأنا مش هسيب شغلي من غير ما أفهم السبب.

صوته علي لأول مرة في المكالمة.

_ ملك متعانديش معايا في الموضوع ده بالذات.

كنت هرد عليه، لكن سمعت خبط على باب مكتبي، فلفيت ناحية الباب وأنا لسه ماسكة التليفون.

_ لحظة يا بابا.

الباب اتفتح، ودخل زين وهو ماسك ملف في إيده.

_ صباح الخير يا بشمهندسة كنت عايز أراجع معاكي…

وقف كلامه لما شافني واقفة ومتوترة، وبعدها عينه راحت ناحية الموبايل اللي كان مفتوح قدامي على المكتب، والشات ليه مفتوحه والصوره ظاهرة على شاشته.

قرب خطوة وبص للصورة كويس، ولقيت ملامحه اتغيرت فجأة.

_ الصورة دي عندك منين.

بصيتله باستغراب، ولسه هرد سمعت بابا بيناديني من التليفون.

_ ملك إنتي مع مين دلوقتي.

مكنتش عارفة أرد على مين فيهم، خصوصًا إن زين كان واقف قدامي مستني الإجابة، وعينيه لسه رايحة ناحية الموبايل.

_ دي صورة بابا مع واحد كان شريكه زمان على ما أعتقد.

زين رفع عينه وبصلي، وكان واضح إنه عرف الراجل اللي في الصورة من أول نظرة.

_ مين اللي بعتهالك.

_ رقم غريب على الواتساب بس أنا مش فاهمة هو حضرتك تعرف الراجل ده؟

قبل ما يرد، سمعت صوت بابا من التليفون، المرة دي أعلى وأعصب.

_ ملك ردي عليا بقولك زين عندك..؟!


تعليقات