رواية سأكتب اسمك علي الرمال الفصل الرابع والعشرون
﷽
بالشركة
أمام مكتب أديم، وقفت كارلا تتحدث لـمديرة مكتبه ببرود ونزعة تعالي:
عاوزه أدخل للمهندس أديم.
رفعت مديرة المكتب وجهها قائلة:
المهندس أديم مش هنا فى الشركة، بلغني إمبارح إنه فى أجازة خاصة،ومقالش مكانه فين، لو الموضوع مهم تقدري تكلميه عالموبايل بس معتقدش هيرد، لأنه قالي إنه هيقفل موبايله، وأي شيء مهم التعامل مع مستر نصر.. لأن البشمهندس ريان هو كمان مسافر.
استغربت حاولت الحديث مع المديرة لكن لم تستفيد من ذالك، وقفت تشعر بضيق شديد،بنفس اللحظة صدفة ربما سيئة حين جاء سليم الى المكتب تعمد أن يتغاضي عن وجودها ونظر نحو مديرة المكتب قائلًا:
كان فى ملف أديم قال إنه معاكِ.
تبسمت له قائلة:
أيوه ثواني.
بعد لحظات أخذ الملف وغادر...
دون حتى النظر لها، رغم شعور البُغض نحوه لكن دخل لديها شعور بالحقد وشعور آخر أن خلف بسمته هنالك شيء
فكرة واحدة جالت برأسها:
أيكون أديم وتلك السخيفة ميراچ تصالحا.
قبضت على يديها بغضب، ربما أظافرها قد غُرست فى كف يدها، تركت المكان وغادرت تسير بالممر
واصلت سيرها بخطوات سريعة، يشتعل الغضب داخلها كلما تذكرت تجاهل سليم المتعمد لها... توقفت أمام المصعد، وضغطت على الزر بعصبية، ثم أخرجت هاتفها من حقيبتها وأعادت الاتصال بأديم للمرة الثالثة.
كالمرتين السابقتين، جاءها الهاتف مغلقًا.
تمتمت بغيظ:
يعني إيه أجازة خاصة ومن إمتى أديم يقفل تليفونه... أكيد فيه حاجة بتحصل من ورايا.
قامت بإتصال آخر إنتظرت حتى
جاءها صوته بعد لحظات:
خير يا كارلا.
قالت له بحدة:
مش خير، أديم مش موجود فى الشركة ولما سألت مديرة مكتبه قالت إنه في أجازة، وقافل موبايله، حتى ريان كمان مسافر.
صمت فارس قليلًا قبل أن يسأل:
وإيه المشكلة، يمكن سفره شغل.
ضحكت بسخرية وقالت:
متضحكش عليا يا فارس، أنا عارفة أديم كويس، في حاجة مش طبيعية. والأغرب إني قابلت سليم هناك فى مكتب أديم، وكان بيتعامل وكأني مش موجودة...
مش عارفة، بس واضح إنه مرتاح أوي، وكأنه صاحب المكان.
ابتسم فارس ابتسامة خبيثة وهو يستوعب ما تقوله، ثم قال:
عادي طب ما هو فعلًا يعتبر من أصحاب الشركة..
توقف ثم تابع بتحذير:
-خليكِ هادية يا كارلا، ومتعمليش تصرف غبي.
تهكمت كارلا قائلة:
واضح إنك مش فاهم قصدي..عندي شك إن غياب أديم يمكن مع ميراچ.
فهم فارس تفوه بانزعاج!
قصدك يكونوا إتصالحوا.
تهكمت قائلة:
ليه لاء،ميراچ لعبتها صح،بخلفتها منه،أكيد أديم مش هيسيب إبنه يتربي بعيد،والولد يحي الحب القديم فى قلبه.
ميز فارس كلامها، بالفعل منطقي، زفر نفسه، لو ذلك حدث، أذن خسر ميراج... لاا ليست ميراچ فقط، بل خسرها بكل ما تملك.. لكن حاول الهدوء وتحدث بتحذير:
إهدي شويه وخلينا نفكر بعقل،
أنا هحاول أتصل على ميراچ، يمكن تفكيرك كله غلط، معتقدش ميراچ هتسامح أديم بسهولة.
أغلقت الهاتف دون أن ترد، بينما كانت فكرة واحدة تزداد رسوخًا في رأسها.
إذا كان أديم قد عاد إلى ميراچ بالفعل، فلن تسمح لهما بالاستمتاع بتلك المصالحة طويلًا.
أما فارس، فظل ممسكًا بهاتفه للحظات، ثم فتح رقمًا آخر واتصل به، وما إن جاءه الرد حتى قال بصوت منخفض:
عايزك تعرفلي رقم الموبايل ده فين بالظبط.
ظل فارس ممسكًا بهاتفه، ينتظر أن يعاود الطرف الآخر الاتصال به، لكن بعد دقائق من التفكير قرر أن يتصل بميراچ مباشرة، ربما يستطيع من خلالها معرفة إن كان تخمين كارلا صح أم مجرد تخمين خاطئ لغيرتها وعصبيتها الشديدة.
أخرج رقمها من هاتفه وضغط على زر الاتصال، انتظر قليلًا، لكن دون جدوى، لم يتلقى سوى رسالة تفيد بأن الهاتف غير متاح...
قطب حاجبيه بضيق، ثم أعاد المحاولة مرة أخرى، وحين لم يجد استجابة،دخل الشك برأسه لكن فتح قائمة الأسماء واتصل بـ لميس.
جاءه صوتها بعد عدة رنا
أجابها بهدوء مصطنع
تبدلت نبرة صوتها قليلًا:
أهلًا يا فارس، خير.
حاول الثبات قائلًا:
كنت عايز أكلم ميراچ، بس تليفونها مقفول.
أجابته بهدوء:
لأ، موبايلها مش مقفول... غالبًا ممكن تكون فى مكان مفيهوش شبكة.
سألها باهتمام:
يعني هي مسافرة.
أجابته:
لاء،هي بدأت الشغل شركة للإنشاءات، وعندهم مشروع في منطقة بعيدة شوية، فممكن تكون راحت هناك من الصبح.
- شركة إنشاءات؟ هي ميراچ رجعت تشتغل في مجالها
هكذا سأل بإستغراب بينما أكدت له لميس:
أيوه، هي بتحب شغل الهندسةمش عايزة تفضل بعيدة عن شغلها.
ابتسم ابتسامة جانبية، ثم سألها وكأنه يستفسر بصورة عابرة
أنهى فارس المكالمة بعد كلمات مقتضبة، ثم ألقى هاتفه على المكتب وأسند ظهره إلى مقعده.
إذن ميراچ عادت إلى عملها، وأديم اختفى عن الشركة، وهواتفهما غير متاحة في الوقت نفسه...
مرر يده على ذقنه بتفكير، ثم تمتم:
يا ترى إيه اللي بيحصل بينكم يا أديم.
لم يكن أكثر ما يشغله احتمال تصالحهما، بل ما قد يترتب على ذلك التصالح، خاصة أن عودة أديم إلى ميراچ قد تفسد الكثير من الحسابات التي كان يخطط لها.
التقط هاتفه مجددًا، واتصل بـ كارلا.
وما إن أجابت حتى قال:
عندي خبر ممكن يهمك يا كارلا... ميراچ رجعت تشتغل، وأديم مختفي من الشركة.
ساد الصمت لحظة، قبل أن يأتيه صوتها المتوتر:
يعني إيه إنت عرفت هي فين.
ابتسم فارس بمكر:
لسه، بس أعتقد أن تخمينك إنهم مع بعض ممكن يكون غلط.
ابتسم فارس وهو يستمع إلى نبرة القلق في صوت كارلا، ثم قال بنبرة هادئة:
اهدي يا كارلا، وفكري بعقلك شوية. ميراچ طالما رجعت لشغلها وبتأسس لنفسها حياة بعيد عن أديم، يبقى غالبًا خلاص قررت تعتمد على نفسها وتبعد عنه.
ردت كارلا بشك:
وإنت ضامن منين إنها مش رجعتله؟ يمكن هما متصالحين وبيحاولوا يبدأوا من جديد.
ضحك فارس باستخفاف:
ولو متصالحين، كانت هتفضل قاعدة جنبه الست اللي بتفكر ترجع تبني حياتها المهنية وتستقل بنفسها مش بالضرورة تكون ناوية ترجع لجوزها... وبعدين أديم لو كان رجع لها، مكنش اختفى بالشكل ده.
صمتت كارلا قليلًا، ثم قالت:
مش عارفة يا فارس، أنا مش مرتاحة.
تنهد فارس قائلًا:
ده لأنك بتفكري في ميراچ أكتر من اللازم. بطلي تراقبي تحركاتها، وسيبي الأمور تمشي... متستعجليش وتعملي حاجة تندمي عليها.
تنفست كارلا بعمق، وقالت بلهجة أقل حدة:
أتمنى تكون عندك حق.
أجابها بثقة:
عندي حق، اطمئني.. بعد اللى حصل ميراچ مستحيل تغفر لـ أديم بسهولة.
أنهى المكالمة، لكن ابتسامته اختفت تدريجيًا، فقد كان يعلم أن عودة ميراچ إلى عملها لا تعني بالضرورة ابتعادها عن أديم، لكنه أراد تهدئة كارلا حتى لا تتصرف بتهور يفسد عليه ما يدبره.
❈-❈-❈
على القارب – وقت الظهيرة
بعد أن تناولا أديم وميراچ طعام الغداء معًا، لاحظا أن صغيرهما بدأ يفقد مقاومة النعاس، يفرك عينيه الصغيرتين بين الحين والآخر، ويتثاءب كلما حاول أديم مداعبته.
ابتسمت ميراچ وهي تنهض من مقعدها قائلة:
واضح إنه محتاج ينام شوية.
حمل أديم يونس بين ذراعيه، وربت على ظهره برفق قائلًا:
واضح إنه خلاص فصل، مش قادر يقاوم.
ضحكت ميراچ وهي تقترب منهما، ثم مدت يديها لتحمل الصغير قائلة:
هاته أنيمه.
ناوله لها، لكنه لم يتركه قبل أن يطبع قبلة على وجنته الصغيرة، ثم قال مداعبًا:
نام يا بطل، عشان تسيبنا نعرف نقعد مع بعض شوية.
نظرت إليه ميراچ بطرف عينها وتهكمت قائلة:
هو أنت مستني تنيمه عشان تعرف تقعد معاي.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيه:
وأنتِ عندك شك في كده.
هزت رأسها بيأس... ثم استدارت متجهة إلى غرفة النوم، بينما ظل أديم يتابعها بعينيه حتى اختفت خلف الباب...
دخلت ميراچ الغرفة، ووضعت يونس برفق على الفراش، ثم سحبت الغطاء الخفيف فوق جسده الصغير. جلست إلى جواره لبعض الوقت، تمرر أصابعها بين خصلات شعره الناعمة، حتى استسلم للنوم تمامًا... فكرت بالبقاء جوار صغيرها، لكن بعد دقائق، نهضت بهدوء، وعدلت الغطاء حوله، ثم اتجهت إلى الخارج...
وجدت أديم واقفًا بجوار النافذة الزجاجية المطلة على البحر، يحمل كوبًا من القهوة، وقد خلع قميصه واكتفى بسروال فقط...
التفت إليها فور سماع خطواتها، وسألها بابتسامة:
يونس نام.
اومأت برأسها وأكدت:
أيوه، شكله هيطول في النوم شوية.
وضع كوبه على الطاولة، ثم مد يده إليها قائلًا:
طب تعالي بقى، دوري أنا في الاهتمام بيكِ.
نظرت إلى يده ثم إليه بتحفظ قائلة:
أديم، إحنا على القارب، والجو حر، وأنا عايزة أقعد شوية في الهوا.
اقترب منها، وأحاط خصرها بذراعه:
وأنا مش همنعك من الهوا، بالعكس... هنقعد بره، بس بشرط.
حاولت الابتعاد عنه وضيقت عينيها سائلة:
شرط إيه.
مال برأسه قليلًا، وقال بمكر:
- متفضليش تهربي مني كل ما أقرب منك.
ابتسمت رغمًا عنها، ثم أبعدت يده عنها قائلة:
- على حسب تصرفاتك.
ضحك وهو يفتح لها الطريق نحو سطح القارب قائلًا:
- يبقى هنشوف مين فينا هيكسب النهارده.
خرجا معًا إلى سطح القارب، حيث كانت أشعة الشمس تنعكس فوق صفحة البحر، والنسيم يداعب خصلات شعر ميراچ المتناثرة حول وجهها...
اتجهت نحو احد المقاعد وجلست، مستمتعة بالمنظر أمامها، بينما جلس أديم إلى جوارها، لكنه لم يكن مهتمًا بالبحر بقدر اهتمامه بها...
مد يده وأزاح خصلة شعر عن وجهها، قائلًا بنبرة هادئة:
- تعرفي إنك حلوة أوي.
لم تلتفت إليه، واكتفت بالنظر إلى البحر قائلة بثقة:
- عارفة.
ابتسم من إجابتها الواثقة، ثم اقترب قليلًا وبدأ بكلمات الغزل:
- طب والحلو ده مش ناوي يديني فرصة أبصله من غير ما يحسسني إني متهم في قضية.
التفتت إليه أخيرًا قائلة:
- أنت اللي بتتصرف بطريقة تخليني أفضل واخدة بالي منك.
ضحك بخباثة قائلًا:
- يعني واخدة بالك مني؟
بتحذير نطقت إسمه:
- أديم!
ضحك بخفة، ثم أمسك يدها الموضوعة فوق المقعد، ومرر إبهامه على أصابعها برفق.. قائلًا:
- وحشتيني يا ميراچ.
سحبت يدها بهدوء قائلة:
- وحشتك، إحنا مع بعض من امبارح عاليخت.
ضحك قائلًا:
- مش قصدي كده... وحشتيني وإنتِ قريبة مني، مش مجرد موجودة في نفس المكان.
أشاحت بوجهها عنه، وكأنها لم تسمع كلماته، لكنه لم يستسلم... نهض من مكانه وجلس بجوارها مباشرة، حتى كاد كتفه يلامس كتفها.. وقال برجاء:
طب بصيلي شوية.
نظرت للبحر قائلة:
- أنا شايفة البحر.
بمكر قال:
- والبحر أحلى مني.
أجابته ببرود متعمد:
- بمراحل.
وضع يده فوق صدره متظاهرًا بالألم:
- للدرجة دي؟ ده أنا بدأت أشك إنك واخدة القارب كله والبحر معاه في صفك ضدي.
ضحكت رغماً عنها، فاغتنم الفرصة واقترب منها، محاولًا إحاطة كتفيها بذراعه، لكنها رفعت يده أبعدته.. بتحذير قائلة:
- أديم، بلاش.
توقفت ابتسامته قليلًا، لكنه ظل ينظر إليها قائلًا:
- أنا مش بعمل حاجة يا ميراچ، أنا بس عايز أقرب منك.
اعترضت قائلة:
- وأنا مش عايزة دلوقتي.
تنهد، وأسند ظهره إلى المقعد، ثم قال:
- هو أنا هفضل طول عمري أستأذن عشان آخد منك حضن؟
نظرت إليه بجدية قائلة:
- لما تعرف إن القرب مش مجرد إنك تمد إيدك وتاخد اللي أنت عايزه، ساعتها مش هتحتاج تسأل.
صمت للحظات، وتأمل ملامحها التي لم تعد تحمل تلك الليونة التي كان يشتاق إليها...
ثم مد يده نحوها مرة أخرى، لكنه اكتفى بالتقاط كفها هذه المرة، وقال بصوت أكثر هدوءًا:
- طب اديني فرصة أصلح اللي بوظته، مش كل مرة هتفضلي تحاسبيني على أخطائي من غير ما تديني فرصة أغيرها.
لم يجد ردًا سريعًا، فاقترب خطوة واحدة وقال:
- طب أعمل إيه دلوقتي عشان تصدقيني؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة خالية من المرح ونهضت تسير نحو سياج القارب قائلة:
- متعملش حاجة... سيب الأيام تثبتلي.
ثم عادت تنظر إلى البحر، بينم أديم نهض وظل واقفًا خلفها، يدرك أن استمالتها هذه المرة لن تكون بمجرد قبلة أو كلمة حلوة، وأن المرأة التي أحبها لم تعد تمنحه قلبها بسهولة كما كانت تفعل من قبل.
لم يمضِ وقت طويل حتى ابتعدت ميراچ عن السور، وقررت العودة إلى غرفة النوم للاطمئنان على يونس. تحركت بخطوات هادئة، بينما ظل أديم يتابعها بعينيه، قبل أن يلحق بها دون أن تشعر...
دفعت باب الغرفة ودخلت، ثم التفتت نحو الفراش لتطمئن على صغيرها، لكنها فوجئت بأديم يدخل خلفها
استدارت إليه بدهشة، وعقدت حاجبيها قائلة:
- إنت جيت ورايا ليه.
لم يُجب، بل ظل ينظر إليها بنظرات لم تخطئها، فتنهدت بضيق وسألته:
- إنت عاوز توصل لإيه يا أديم؟
ظل صامتًا، ثم تحرك نحوها بخطوات واثقة، وقبل أن تتمكن من الابتعاد جذبها إليه، وأطبق بشفتيه على شفتيها في قبلة قوية ومندفعة، وكأنه يحاول أن يختصر بها كل ما عجز عن قوله.
تفاجأت ميراچ بتصرفه، ووضعت كفيها على صدره محاولة إبعاده، ثم دفعته بقوة حين استطاعت أن تلتقط أنفاسها.. قالت بعصبية:
- أديم! إنت اتجننت؟!
نظر إليها بأنفاس مضطربة، وقال بصوت أجش:
- أيوه... يمكن اتجننت من بُعدك عني.
بغضب منها قالت:
- وده يديك الحق تعمل اللي أنت عملته.
تغيرت ملامحه، ومد يده محاولًا لمس وجنتها، لكنها تراجعت خطوة.. وقالت بنهي:
متقربش مني بالطريقة دي يا أديم.
توقفت يده في الهواء، وظل ينظر إليها للحظات، قبل أن يقول:
- أنا مش قادر أفضل واقف بعيد عنك وأنتِ قدامي.
أجابته بحدة:
- يبقى اتعلم تحترم المسافة اللي أنا بحطها بيني وبينك.
وقعت كلماتها عليه بثقل، خصوصًا حين لمح يونس يتحرك قليلًا أثناء نومه، فخفض صوته والتفت نحو الصغير.
أما ميراچ فاستغلت صمته، واتجهت إلى جوار الفراش، كادت تجلس بجانب يونس، ظل للحظة واقفًا في مكانه، للمرة الأولى لا يعرف كيف يصل إليها دون أن يخسر ما تبقى
لكن
لم يمنحها فرصة للابتعاد هذه المرة، فحين تحركت لتتجاوزه، أمسك يدها برفق وجذبها نحوه، ثم أحاط وجهها بكفيه، ونظر إلى عينيها للحظات قبل أن يميل إليها ويقبلها من جديد...
كانت تنوي الاعتراض، بل رفعت يديها لتدفعه، لكن قربه أربكها، ودفء قبلته أعاد إليها مشاعر حاولت طويلًا أن تخفيها خلف غضبها وعنادها...
قاومته في البداية، ثم خفت مقاومتها تدريجيًا، واستقرت يداها فوق كتفيه بدلًا من دفعه...
ابتعد عنها للحظة قصيرة، يتأمل ملامحها، وكأنه يبحث عن إجابة في عينيها، ثم عاد يقبلها بحنان هذه المرة، دون استعجال...
همس بالقرب من شفتيها:
- وحشتيني يا ميراچ... وحشتيني أكتر مما تتخيلي.
لم تجبه، فضمها إليه، وظل يطبع قبلاته المتتابعة على وجهها وجبينها وشفتيها، حتى تراجعت خطواتها معه دون أن تنتبه، وانتهى بهما الأمر هي مستلقية على الفراش وهو فوقها..
يستند بذراعيه على الفراش محاوطًا جانبيها، محاولًا ألا يثقل عليها، وظل يوزع قبلاته على وجهها، بينما كانت تنظر إليه بأنفاس متلاحقة ومشاعر متضاربة...
رفعت يدها إلى وجنته، فالتقطها وقبل باطن كفها،
ثم نظر إليها بابتسامة خافتة:
- لسه زعلانة مني؟
أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما قائلة:
- أيوه يا أديم... متفتكرش إن بوسة هتنسيني كل حاجة.
ابتسم وهو يلامس جبينها بجبينه قائلًا:
- مش طالب منك تنسي... أنا بس عايزك تديني فرصة أحبك بالطريقة اللي تستحقيها.
ظلت صامتة، بينما انحنى ليطبع قبلة رقيقة على جبينها ثم شفتيها، وفي الجهة الأخرى من الفراش كان يونس غارقًا في نومه، لا يعلم أن والديه يحاولان ترميم شيء تصدع بينهما منذ وقت هدأت حركتهما، واستلقى أديم إلى جوارها، ثم جذبها نحوه لتستقر بين ذراعيه، ملتصقة بصدره العاري...
كان يلهث قليلًا، ويمرر كفه على ظهرها بحنان، بينما أسندت ميراچ رأسها إلى صدره، تحاول استعادة هدوئها...
طبع قبلة طويلة على قمة رأسها، ثم همس:
- كده أحسن... أخيرًا بقيتي في حضني.
رفعت عينيها إليه وقالت بنبرة عتاب:
- متفتكرش إنك كده صالحتني.
ابتسم وهو يشد ذراعه حولها قائلًا:
- طب أعمل إيه تاني.
تنهدت قائلة بدلال:
تبدأ تفهمني بدل ما تحاول تكسبني كل مرة بطريقتك.
تأمل وجهها، ثم مرر أصابعه على وجنتها قائلًا:
- حاضر يا ميراچ... بس اسمحيلي أقولك إن حضنك ده كان وحشني بشكل مش طبيعي.
أخفت ابتسامتها وهي تعود لتضع رأسها على صدره وقالت بدلال:
- أنت مبتعرفش تبطل كلام.
ضحك بخفوت، وقبل شعرها مجددًا، ثم أغمض عينيه مستمتعًا بقربها، وكأنه يخشى أن تنتهي تلك اللحظة سريعًا.
لكن فجأة تحرك يونس وأصدر
صوتًا ناعسًا، فرفعت ميراچ رأسها تلقائيًا.
ابتسم أديم وهو ينظر ناحية الصغير قائلًا:
- واضح إن الباشا الصغير مش موافق إننا ناخد راحتنا.
ضحكت ميراچ، ثم حاولت الابتعاد عنه ، لكنه تحركت للاطمئنان على يونس، لكن أمسك يدها وجذبها برفق لتعود إلى صدره.. قائلًا بتملك:
- رايحة فين بس.
أجابته:
- يونس اتحرك، عايزة أشوفه.
ابتسم وهو ينظر نحو الصغير النائم في ملكوته قائلًا:
- يا حبيبتي ده نايم، مجرد اتقلب في نومه... سيبيه شوية وخلينا مع بعض.
نظرت إليه معاتبة:
- أديم، ده ابنك على فكرة!
ضحك وهو يطبع قبلة على وجنتها:
- عارف، وعارف كمان إن مراتي وحشتني، ومن حقي أقعد معاها شوية من غير ما الباشا الصغير يقاطعنا.
لم تجبه، لكنها هذه المرة أحاطت عنقه بذراعيها، فابتسم وقبلها مجددًا.
وتلاشت الكلمات بينهما، وعاد الدفء يملأ المساحة التي فرقها العتاب طويلًا، بينما ظل يونس نائمًا في هدوء، تاركًا لوالديه بعض الوقت يستعيدان فيه قربهما...
ومع امتداد اللحظات، أُغلقت أبواب العالم خارجهما، ولم يبقي سوى همسات متبادلة وعناق اشتاق إليه كلاهما.
بعد وقت
ظل أديم يحتضن ميراچ بين ذراعيه، يمرر أصابعه برفق بين خصلات شعرها، بينما كانت تستند إلى صدره في هدوء، وقد خفت حدة العتاب في عينيها، وإن لم تختفِ تمامًا..
طبع قبلة على جبينها، ثم رفع وجهها إليه متأملًا ملامحها.. تفوه بهمس:
- ميراچ...
- نعم.
- سامحيني.
رفعت عينيها إليه، فتابع بصوت خافت:
- سامحيني على كل مرة شكيت فيكِ، وعلى كل كلمة جرحتك بيها، وعلى إني خليتك تحسي إنك لوحدك حتى وإنتِ على ذمتي. أنا عارف إني أذيتك، وعارف إن كلمة آسف مش كفاية، بس والله نفسي أقدر أرجع كل حاجة وأصلحها.
ظلت تنظر إليه بصمت، فضمها إلى صدره أكثر، وقبّل رأسها... قائلًا بصدق:
- أنا مش عايز أخسرك يا ميراچ... مش عايز أصحى في يوم ألاقي إنك خلاص مبقتيش شايفاني الشخص اللي ممكن تأمني له قلبك.
لامست وجنته بأطراف أصابعها، وقالت بهدوء:
- أنت وجعتني أوي يا أديم.
أغمض عينيه للحظة، ثم همس:
- عارف.
اكملت بغصة قلب:
- وخليتني أحس إن وجودي في حياتك مجرد واجب وصية، وإنك مش مصدقني مهما عملت.
اعتذر بندم:
- أنا غلطان... ومش هطلب منك تنسي، بس هطلب منك تديني فرصة أثبتلك إني أقدر أبقى أحسن.
سكنت بين ذراعيه للحظات، ثم ابتسم ابتسامة
صغيرة حين شعر بها تميل نحوه وتطبع قبلة خفيفة على وجنته.
احتضنها بحنان، وظل يهمس لها بكلمات اعتذار ومحبة، حتى استقرت الأجواء بينهما في هدوء دافئ، بعيدًا عن كل ما أثقل قلبيهما في الأيام الماضية.
وبعد قليل، رفعت ميراچ رأسها عن صدره، ونظرت إليه نظرة مختلفة، وكأن سؤالًا ظل عالقًا بداخلها طوال الوقت قد حان موعده نطقت إسمه:
أديم..
- عيونه.
ترددت قليلًا، ثم قالت:
- أنا عايزة أسألك سؤال.
ابتعد قليلًا حتى يتمكن من رؤية وجهها:
- اسألي يا حبيبتي.
ظلت عيناها معلقتين بعينيه، ثم سألته بنبرة جادة:
- طب عرفت اني كنت حامل من اختبار الحمل اللى كان فى بيت البحر إنت عرفت منين مكاني
تبدلت ملامح أديم للحظة، لكنه سرعان ما ارتسمت على شفتيه ابتسامة ماكرة، ومد يده يزيح خصلة شعر عن وجهها قائلًا:
- هو إحنا هنرجع للتحقيقات تاني؟ مش كنا اتصالحنا.
ضيقت عينيها وهي تراقبه قائلة بأمر :
- جاوب على السؤال.
اقترب منها محاولًا تقبيل وجنتها:
- طب ما تيجي نأجل الكلام ده شوية، أنا لسه مستمتع بوجودك في حضني.
وضعت كفها على صدره تمنعه من الاقتراب، وقالت بحزم:
أديم!
ضحك بخفوت قائلًا:
- نعم يا قلب أديم؟
بضيق قالت:
- متحاولش تتهرب مني بالكلام الحلو، أنا بسألك سؤال واضح وعايزة إجابة واضحة.
تنهد متظاهرًا بالاستسلام، ثم جذب الغطاء فوق كتفيها:
- طيب، بس الأول عايز أطمن إنك مش بردانة.
سحبت الغطاء من يده وأبعدته جانبًا قائلة:
أديم، أنا مش بهزر.
تأمل إصرارها، وأدرك أن محاولاته لن تجدي معها، لكنه لم يفقد رغبته في المراوغة... فقال:
- عرفت مكانك من ناس بتابع تحركاتك...
قاطعته فورًا:
- مين الناس دي؟ وإزاي اتأكدت إني حامل؟ أنا نفسي مكنتش متأكدة إن الحمل ممكن يكمل.
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وأدار وجهه للحظات قبل أن يعود بنظره إليها.
- ميراچ، الموضوع مش بالبساطة اللي أنتِ متخيلاها.
اعتدلت في جلستها، وسحبت الغطاء حول جسدها، ثم قالت بنبرة أكثر صرامة:
يبقى فهمني مين كان بيراقبني؟ ومين وصل لك معلومة تأكيد حملي؟ وهل كنت عارف مكاني طول الفترة اللي كنت فيها بعيد عنك.
صمت أديم، فتابعت وهي تثبت عينيها عليه:
- أنا مش هقبل إنك تخبي عني حاجة تانية، خصوصًا إن الموضوع متعلق بيا وبابني.
نظر إليها طويلًا، ثم مرر يده فوق وجهه بضيق.
- حاضر يا ميراچ... هقولك كل حاجة.
لكن قبل أن يبدأ، جاء صوت يونس ا متململًا في نومه...
التفتت ميراچ نحوه تلقائيًا، بينما ظل أديم ينظر إليها، مدركًا أن اللحظة التي كان يؤجلها قد وصلت، وأن إجابته القادمة ربما تعيد فتح جرح ظن أنه بدأ يلتئم.
❈-❈-❈
بالنادي الرياضي
كان سليم يجلس في المنطقة المخصصة للجلوس داخل النادي، بعدما انتهى من طعامه،وضع النادل أمامه كوب من القهوه،بينما كان، يتصفح هاتفه بهدوء يستريح قليلًا قبل المغادرة...
على بُعد عدة أمتار، كانت نورهان تجلس برفقة إحدى صديقاتها، وحين رفعت عينيها وقعتا عليه، فتوقفت عن الحديث للحظة، وتابعته باهتمام واضح.
مالت نحو صديقتها وسألتها:
ـ مش ده سليم البحيري؟
نظرت صديقتها في الاتجاه الذي تشير إليه، ثم أجابت:
ـ أيوه، هو فعلًا.
ظلت نورهان تراقبه بينما صديقتها قالت:
ـ سمعت إنه طلق مراته الاخيرة.
رفعت نورهان حاجبيها بدهشة، ثم عادت تنظر إليه. لم تكن تتوقع أن تسمع هذا الخبر، خاصة أنها تعرفه منذ سنوات، وكانت تحمل تجاهه مشاعر لم يبادلها إياها يومًا...
راقبته وهو ينهض من مكانه ويتجه نحو أحد الممرات، فاعتذرت لصديقتها ونهضت خلفه، محاولة اللحاق به قبل أن يغادر:
ـ سليم.
توقف والتفت إلى مصدر الصوت، وما إن رآها حتى أومأ برأسه تحية مقتضبة.
ـ أهلًا يا نورهان.
ابتسمت وهي تقترب منه بدلال قائلة:
ـ إزيك.. عامل إيه.. بقالنا كتير مشوفناش بعض.
ـ الحمد لله، إنتِ أخبارك إيه؟
أجابت:
ـ كويسة الحمد لله... إيه الصدفة الحلوة دي من فترة مشوفتكش هنا.
أجابها:
ـ مشاغل النادي قريب من البيت، قولت أجي اتغدا النهاردة.
سارت بجواره محاوِلة إطالة الحديث، ثم قالت بنبرة تحمل شيئًا من الاهتمام:
- سمعت إنك انفصلت عن مراتك... ربنا يعوضك خير.
أجابها بهدوء دون أن يتوقف:
ـ شكرًا يا نورهان.
بفضول فظ منها قالت:
ـ أكيد الموضوع مكنش سهل، خصوصًا دي مش أول جوازة.
نظر أمامه قائلًا ببرود:
ـ الحمد لله، كل شيء نصيب.
حاولت أن تجد مدخلًا آخر للحديث، فقالت بابتسامة:
ـ على فكرة، لسه زي ما إنت، هادي ومش بتتكلم كتير.
نظر إليها للحظة، ثم قال بأدب:
ـ عن إذنك، عندي مشوار ولازم أمشي.
بفرض نفسها عليه:
ـ طب ما نقعد شوية، إحنا لسه بنتكلم.
تهرب بذوق:
ـ مرة تانية إن شاء الله.
أنهى الحديث وغادر دون أن يلتفت خلفه، تاركًا إياها واقفة تتابع ابتعاده بخيبة أمل...
عادت إلى مكانها وجلست، لكن ذهنها لم يعد مع صديقتها أو الحديث الذي كان يدور بينهما...
ظلت تنظر إلى المكان الذي اختفى فيه سليم، ثم أطلقت تنهيدة طويلة...
تذكرت أنها كانت معجبة به منذ سنوات، وأنها حاولت أكثر من مرة لفت انتباهه، لكنه لم يمنحها يومًا ما كانت تتمناه... لم يكن يحبها، ولم تكن بينهما قصة حب من الأساس، بل كانت مشاعر من طرف واحد أخفتها خلف كبريائها... ليس كبريائها بل طمعها فى الأفضل والاكثر ثراءً وقتها.
لكنها بدلًا من أن تتقبل الأمر، راحت تقارن بينه وبين نصر، واختارت الأخير بعدما رأت فيه فرصة لتحقيق أحلامها المادية والاجتماعية...
ظنت أنها اتخذت القرار الصحيح، وأن المال والنفوذ سيمنحانها السعادة التي تبحث عنها، لكنها اكتشفت متأخرة أنها لم تكسب شيئًا.تمتمت بحسرة وهي تهز رأسها:
ـ يا ريتني ما كنت طماعة... جريت ورا الفلوس والسلطة، وافتكرت إني كده هكسب الدنيا كلها.
سكتت قليلًا، ثم نظرت إلى حيث كان سليم يجلس قبل مغادرته.. وأكملت حسرتها:
ـ حتى سليم... كنت بتمنى يبصلي، بس هو عمره ما حبني ولا شافني بالطريقة اللي كنت عايزاها.
ابتسمت بمرارة، وأكملت حديثها مع نفسها:
ـ وفي الآخر نصر راح، وسليم عمره ما كان ليا... لا طلت ده ولا ده.
خفضت عينيها، وقد أدركت أن طمعها لم يجعلها تخسر ما كانت تملكه، بل جعلها تطارد ما لا تملكه حتى أضاعت كل شيء.
❈-❈-❈
في موقع إحدى شركات الإنشاءات، كان ياسر يتابع بعض الأعمال بنفسه، يتفقد التنفيذ ويتحدث مع المهندس المشرف، حين لمح نسمة قادمة من الجهة المقابلة، ترتدي خوذتها البيضاء وتحمل ملفًا هندسيًا بين يديها...
ابتسم بمجرد أن تعرف عليها، واقترب منها قائلًا:
- نسمة إيه المفاجأة دي.
ابتسمت بدهشة قائلة:
-بشمهندس ياسر دي صدفة غريبة فعلًا... بتعمل ايه هنا.
ضحك قائلًا:
أنا اللي أسأل، إنتِ بتعملي إيه في الموقع ده.
أجابته بتوضيح:
- أنا شغالة هنا، الشركة متعاقدة على تنفيذ المشروع ده، وجيت أتابع شوية تفاصيل مع المهندسين.
أومأ متفهمًا:
- آه، فهمت.
تبادلا بعض الأحاديث القصيرة، قبل أن تتذكر نسمة أمرًا فتقول:
- على فكرة، عندي ليك خبر يمكن يفاجئك.
نظر إليها باهتمام:
- خير.
أجابته:
ميراج هتشتغل معايا في نفس شركة الإنشاءات.
تبدلت ملامحه على الفور، ورفع حاجبيه بدهشة حقيقية قائلًا:
- ميراج؟!
ضحكت نسمة من رد فعله قائلة:
- أيوه ميراج، هي اتفقت مع الإدارة وهتبدأ معانا قريب... هتكون مسؤولة عن شغل الترميمات، وخصوصًا إن عندها خبرة كويسة في المجال ده.
ظل ينظر إليها للحظات، وكأنه يحاول استيعاب ما سمعه، ثم سأل:
- يعني هي قررت تشتغل فعلًا؟
أكدت له:
أيوه، وده قرارها، وبصراحة أنا فرحت جدًا لما عرفت إنها هتكون معانا. شكلها محتاجة تشغل وقتها وتبدأ صفحة جديدة.
تنهد ياسر بخفة قائلًا:
- ربنا يوفقها، وتكون خطوة كويسة في حياتها.
ابتسمت نسمة قائلة:
- أكيد، ميراج قوية وهتقدر تثبت نفسها.
ثم نظرت إلى ساعتها وقالت:
- استأذنك بقى، عندي شغل لازم أخلصه قبل ما أمشي.
سمح لها بذوق:
- اتفضلي، وخلي بالك من نفسك.
استدارت لتغادر، لكنها لم تنتبه إلى بعض مخلفات البناء الموجودة في طريقها، فتعثرت قدمها وكادت تسقط أرضًا.
- آه!
تحرك ياسر بسرعة، وأمسك بذراعها وسند خصرها قبل أن تفقد توازنها، لتستقر بين يديه، قريبة منه إلى حد جعلها ترفع عينيها إليه بارتباك.
تفوه بتحذير:
- بالراحة.. إنتِ كويسة.
هزت رأسها بخفة:
- أيوه... الحمد لله.
لكنها لم تتحرك فورًا، وكذلك هو، فقد باغته قربها، وبقيت يده تسندها للحظات إضافية قبل أن ينتبه إلى وضعهما ويتركها برفق... تلاقت عيناهما، وشعرت نسمة بدقات قلبها تتسارع بصورة أربكتها، بينما حاول ياسر أن يبدو طبيعيًا رغم ذلك الشعور المفاجئ الذي انتابه.
قال بابتسامة خفيفة:
- واضح إنك محتاجة تركزي في الطريق أكتر من تركيزك في الشغل.
ضحكت بخجل قائلة:
- هو أنا كل ما أشوفك لازم أتعرض لموقف محرج.
ابتسم وهو ينظر إليها:
-دي تالت مرة أشوفك فيها وتقعي قدامي.
اتسعت ابتسامتها:
- يبقى المرة الجاية هبقى حريصة إني أقف على رجلي كويس.
بمرح قال:
- ياريت، مش كل مرة هكون قريب ألحقك.
ضحكت، ثم ودعته وغادرت، بينما ظل ياسر يتابعها بعينيه قليلًا، قبل أن يعود إلى عمله...
لكن خبر ميراج ظل يشغل تفكيره أكثر من أي شيء آخر... فقد كان يعرف أن وجودها في شركة أخرى يعني أنها بدأت بالفعل ترسم طريقًا بعيدًا عن أديم، وأنها لم تعد تنتظر أحدًا ليحدد لها مستقبلها...
بينما
ابتعدت نسمة بخطوات هادئة، لكنها لم تستطع منع نفسها من الالتفات خلفها مرة أخيرة... كان ياسر لا يزال واقفًا في مكانه، يتابعها بنظرات لم تفهم إن كانت مجرد اهتمام عابر أم أن وراءها شيئًا آخر...
وحين التقت عيناهما من جديد، ارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، فبادلته إياها دون وعي، قبل أن تخفض عينيها وتسرع في خطواتها.
أما ياسر، فظل للحظات يتابع ابتعادها، مستعيدًا تفاصيل الموقف، وطريقتها المرتبكة وهي بين ذراعيه. لم ينكر أنها لفتت انتباهه، وأن ابتسامتها تركت لديه شعورًا لطيفًا لم يكن يتوقعه...
عاد إلى عمله، لكنه التفت مرة أخرى حين سمع صوتها تضحك مع أحد زملائها من بعيد.
في الجهة الأخرى،
بعد دقائق دخلت الى مكتبها المؤقت بالموقع، ووضعت الملف فوق المكتب، ثم جلست تحاول التركيز في الأوراق أمامها، لكن عقلها كان في مكان آخر...
رفعت يدها إلى صدرها، وكأنها تحاول تهدئة دقاته التي لم تستعد إيقاعها الطبيعي بعد.
تمتمت لنفسها:
- إيه اللي أنا بعمله ده؟!
أغمضت عينيها للحظة، ثم هزت رأسها معاتبة نفسها:
- فوقي يا نسمة... هو إنتِ نسيتي إنه متجوز.. إيه النظرات دي والابتسامات اللي مالهاش لازمة.
تنفست بعمق، وأعادت ترتيب الأوراق أمامها...
كانت تعلم جيدًا أن ياسر رجل متزوج، وأن أي
شعور قد يتسلل إلى قلبها تجاهه يجب أن يتوقف عند حدوده، مهما بدا اللقاء عابرًا ومهما أربكتها نظراته...
قالت بحزم وهي تفتح أحد الملفات:
- فوقي يا نسمة... إنتِ جاية تشتغلي، مش تضيعي عقلك في حاجات مش من حقك.
لكنها، رغم كل محاولاتها، لم تستطع أن تنسى اللحظة التي احتواها فيها بذراعيه، ولا تلك النظرة التي تبادلاها قبل أن يفترقا.
وفي الخارج، كان ياسر قد عاد لمتابعة العمل، إلا أن ابتسامة خفيفة ظلت تظهر على وجهه كلما تذكر ارتباكها... دون أن يدرك أن نسمة كانت تخوض مع نفسها معركة صامتة حتى لا تسمح لقلبها بتجاوز حدوده.
❈-❈-❈
ليلًا
دبي
كان ريان جالسًا بمفرده، والهاتف موضوع أمامه فوق الطاولة، حين أضاءت شاشته معلنة اتصالًا من كنزي...
توقف بصره عند اسمها للحظات، وتردد قبل أن يمد يده إليه. ظل يرن لبعض الوقت، وكأنه يفكر إن كان عليه الرد أم يتركها حتى تتوقف عن الاتصال، لكنه في النهاية ضغط زر الإجابة ووضع الهاتف على أذنه.:
أيوه يا كنزي.
كان باردًا
تحدثت بعتاب:
أخيرًا، متصلتش على طول اليوم، مش من حقي أطمن عليك وأسمع صوتك.
بهدوء عكسي:
: حقك طبعًا يا حبيبتي، بس أنا كنت مشغول جدًا النهارده، اليوم كله اجتماعات ومشاكل في الشغل، وما لحقتش أمسك الموبايل.
بعتاب منها:
للدرجة دي يا ريان يعني ما لقيتش حتى دقيقة واحدة تتصل بيا فيها أنا اللي فضلت مستنية منك مكالمة طول اليوم.
تنهد قائلًا بتبرير كاذب:
معلش يا كنزي، والله غصب عني. إنتِ عارفة إن الفترة دي فيها ضغط كبير في الشغل.
تقبلت منه قائلة:
عارفة، بس ده مش معناه إنك متسألش عني طول اليوم... أنا مش طالبة منك تفضل ماسك التليفون طول اليوم، كنت عايزة بس أحس إنك فاكرني.
تنهد ريان قائلًا:
يا حبيبتي أنا فاكرِك، ومفيش حاجة اتغيرت.
بعتاب تود تكذيب إحساسها: :
متأكد.
صمت ريان للحظة، ثم أجاب بنبرة حاول أن يجعلها طبيعية:
أيوه متأكد، إنتِ مالك النهارده حساسة زيادة ليه.
بتردد منها قالت::
مش عارفة... يمكن عشان حاسة إنك بعيد عني، حتى صوتك مش زي كل مرة.
تنهد بارهاق قائلًا:
متهيألك أنا بس مرهق، ومحتاج أنام... خلينا نتكلم بكرة الصبح، هكلمك أول ما أصحى، ماشي.
بنبرة اشتياق قالت بسؤال:
يعني مش هتقدر تكلمني كمان شوية.
تنهد بادعاء الارهاق قائلًا:
يا كنزي، أنا فعلًا مش قادر، يوم طويل وعايز أريح جسمي.
استسلمت قائلة:
ماشي يا حبيبي، تصبح على خير.
- وإنتِ من أهله يا حبيبتي
قالها وأنهى المكالمة، بينما ظلت كنزي تنظر إلى هاتفها باستغراب...
لم تكن المكالمة طويلة حتى تشعر بأنه تحدث معها، ولم تكن كلماته تحمل الدفء الذي اعتادته منه...
وضعت الهاتف جانبًا، ثم عادت تلتقطه وتتأمل اسمه، وكأنها تنتظر أن يندم على استعجاله ويعاود الاتصال بها...
لكن الدقائق مرت دون أن يحدث شيء.
تنهدت بحزن، وأسندت رأسها إلى الوسادة...
في نفسها سألت:
هو إيه اللي اتغير يا ريان وإمتى بقيت أحس إني بطلب منك اهتمامك بالعافية.
أغمضت عينيها، لكن إحساسها بأن هناك شيئًا يخفيه عنها ظل يلاحقها، ولم تستطع طرده من رأسها.
