رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل التاسع والعشرون
غادر زيدان مكتب صفوان بعد أن ظل لبعض الوقت غارقًا في أفكاره، ثم اتجه إلى غرفة الاستقبال حيث كانت شاهنده تجلس مع خديجه . حاول أن يبدو طبيعيًا قدر الإمكان، رغم أن داخله كان يموج بأسئلة لم يجد لها إجابة حتى الآن. اقترب منها وقال بهدوء:
- يلا يا شاهنده، إحنا هنمشي.
رفعت شاهنده عينيها إليه، ثم نظرت إلى خديجه قبل أن تنهض وتلتقط حقيبتها، بينما ودّع زيدان الموجودين بكلمات مقتضبة، ولم ينسَ أن يلقي نظرة أخيرة نحو صفوان الذي اكتفى بإيماءة بسيطة، وكأنه يذكره بنصيحته ألا يتسرع في أي قرار.
خرج الاثنان من الفيلا، واتجها إلى السيارة. فتح زيدان لها الباب، وانتظر حتى استقرت في مقعدها، ثم دار حول السيارة وجلس خلف المقود. انطلق بهدوء، لكن عقله كان بعيدًا تمامًا عن الطريق الذي يسلكه؛ فقد ظل اعتراف عمه يتردد في أذنيه، وكلما حاول إبعاد الكلمات عن رأسه عادت إليه أكثر وضوحًا.
كان ينظر أمامه، بينما تتزاحم في ذاكرته تفاصيل علاقته بشاهنده. تذكر أول لقاء جمعهما، وكيف بدأت تتقرب منه، وكيف كانت تتعمد الدخول معه في نقاشات طويلة، وتعارضه في بعض آرائه، بل وتستفزه أحيانًا حتى يضطر إلى مجاراتها. كان يظن أن تلك طبيعتها، وأنها شخصية مختلفة عن كل من عرفهن، وأن هذا الاختلاف هو ما جذبه إليها. لكنه الآن بدأ يتساءل: هل كانت تفعل ذلك لأنها تحبه وتريد التقرب منه، أم لأنها كانت تنفذ خطة والدها الذي يعرف جيدًا طبيعة شخصيته؟
التفت إليها بطرف عينه، فوجدها منشغلة بهاتفها، ولم تكن تبدو عليها أي علامات اضطراب. حاول أن يتخيل نفسه مكانها، لو كان يعلم أن زواجه بدأ بتخطيط من شخص آخر، فهل كان سيستطيع الاستمرار في حياته وكأن شيئًا لم يحدث؟ شعر بضيق في صدره، لكنه تذكر نصيحة صفوان، وقرر ألا يواجهها بما سمعه دفعة واحدة. كان يريد أن يعرف الحقيقة منها، وأن يختبر ردود أفعالها بعيدًا عن تأثير غضبه واندفاعه.
ظل صامتًا حتى ابتعدا عن محيط الفيلا، ثم خفف سرعته قليلًا والتفت إليها، قائلًا بنبرة بدت عادية رغم ما يخفيه خلفها:
- شاهنده، عايز أسألك سؤال.
رفعت عينيها عن الهاتف، ونظرت إليه بابتسامة هادئة:
- اسأل يا زيدان.
أعاد نظره إلى الطريق، ثم سألها مباشرة:
- إنتِ من الأول كنتِ عارفة إني ابن عمك؟
تغيرت ملامحها للحظة، لكنها سرعان ما أجابت:
- أيوه، طبعًا كنت عارفة.
ظل زيدان ممسكًا بالمقود، وأصابعه تشد عليه قليلًا، ثم سألها:
- ليه ماقولتيليش؟ ليه ماعرفتينيش وطلبتي مني ماقولش لحد؟
التفتت شاهنده إليه باستغراب، وكأنها لم تكن تتوقع أن يعود إلى ذلك الموضوع بعد كل هذه الفترة، ثم قالت:
- وقتها كنت خايفة من رد فعل بابا، وكنت عارفة إنه مش هيوافق على علاقتنا لو عرف إنك ابن عمى. أنا كنت عايزة آخد فرصتي معاك الأول، وأخليك تعرفني وتحكم عليّا من غير ما تدخل حسابات العيلة في الموضوع.
لم يعلق زيدان، واكتفى بالنظر إلى الطريق، بينما رأسه كان يدور فى عده اتجاهات واهمها أن والدها هو من وضعها فى طريقه وهى الآن تخفى ذلك هل لم تثق به لذلك تفتعل تلك الأكاذيب أم انها مازالت تحت سيطره عتمان وتنفذ خطته
أخذ نفسًا عميقًا، وقرر أن يكمل اختباره دون أن يكشف لها شيئًا مما عرفه .
بعد مغادرة زيدان وشاهنده للفيلا، عاد الهدوء تدريجيًا إلى المكان، لكن ذلك الهدوء لم يكن كافيًا ليمحو آثار المواجهة التي شهدتها العائلة قبل قليل. ظل صفوان داخل المكتب لبعض الوقت، يتفحص بعض الأوراق أمامه، محاولًا أن يجمع أفكاره بعد يوم امتلأ بالمفاجآت والاعترافات التي لم يكن يتوقع سماعها.
كان يشعر أن ما حدث مع عتمان لم يكن مجرد خلاف عائلي أو أزمة إدارية عابرة، بل إن الأمور تشابكت بصورة جعلت كل طرف يخفي وراء كلماته حسابات وأسرارًا قديمة. ومع ذلك، كان أكثر ما يشغل تفكيره في تلك اللحظة هو مهرة؛ فقد رأى في عينيها إصرارًا لم يعتده منها، وشعر أن قرارها بالوقوف في وجه والدها وطلب تولي مسؤولية العمل لم يكن مجرد رغبة في إثبات الذات، بل بداية مرحلة جديدة في حياتها. لا يعلم هل تلك الأحداث ستقربه ام ستبعده منها
بعد قليل، دخل جاسر المكتب، وأغلق الباب خلفه، ثم اقترب من مقعد صفوان وجلس أمامه. ظل يتأمل ملامح ابنه للحظات قبل أن يتحدث بنبرة تحمل الكثير من الإرهاق:
- إنت عارف يا صفوان، أنا تعبت من المشاكل دي. طول عمري كنت حريص إن العيلة تفضل متماسكة، وإن الشغل يفضل بعيد عن خلافاتنا الشخصية، لكن اللي بيحصل دلوقتي بقى فوق احتمالي. مش عايز أفضل كل يوم أصحى على مشكلة جديدة، ولا عايز أشوف إخواتي وأولادهم بيتحولوا لخصوم بالشكل ده. نفسي الموضوع يخلص ونرجع نعيش في هدوء.
رفع صفوان عينيه عن الأوراق ونظر إلى والده، وقد شعر بمدى التعب الذي يحاول جاسر إخفاءه خلف هدوئه المعتاد.
- أنا مقدر تعبك يا بابا، وعارف إنك مش حابب توصل الأمور للمرحلة دي، بس صدقني إحنا قربنا نخلص من كل ده. عتمان هو اللي اختار يوصل الأمور للنقطة دي، وإحنا حاولنا معاه أكتر من مرة، لكن هو كل مرة كان بيزودها بتصرفاته.
تنهد جاسر وقال:
- أنا مش زعلان من الخلاف على الإدارة قد ما أنا زعلان من اللي وصلنا له. عمك أخويا، وعشنا عمرنا كله مع بعض، مكنتش أتخيل إننا نوصل لمرحلة أشوفه فيها بيحاول يضيع حقوق بنت من بناته عشان مصلحة تخصه.
أغلق صفوان الملف الذي أمامه، ثم أسند ظهره إلى المقعد وقال بثقة:
- قريب كل حاجة هتخلص يا بابا، وكل واحد هياخد مكانه الطبيعي. مهرة هتبدأ شغلها، وملفات الشركة هتتقفل بعد المراجعة، وعتمان مش هيقدر يكرر اللي عمله تاني. أنا مش عايز مشاكل أكتر من كده، لكن في نفس الوقت مش هسمح إننا نسيب الغلط من غير حساب.
ظل جاسر ينظر إليه، ثم قال بهدوء:
- أهم حاجة عندي إنك ماتخليش غضبك من عمك يخليك تاخد قرارات تندم عليها، وخلي بالك من مهرة. البنت دي شافت كتير، ومحتاجة تحس إن فيه حد واقف جنبها من غير ما يحسسها إنها ضعيفة أو إنها مدينة له بحاجة.
ابتسم صفوان ابتسامة خفيفة، وقال:
- اطمن يا بابا، أنا عارف أنا بعمل إيه، ومش هسمح إن حد يكسرها تاني.
ظل جاسر يتأمل ابنه للحظات، ثم نهض من مكانه واتجه نحو النافذة، وكأنه يحاول أن يبعد عن ذهنه ما حدث في ذلك اليوم. لكن صفوان كان لا يزال يحمل أمرًا آخر يريد أن يخبره به، أمرًا يعرف أنه سيغير نظرة والده إلى المواجهة التي حدثت داخل المكتب.
قال صفوان وهو يضع الملف جانبًا:
- على فكرة يا بابا، فيه حاجة تانية حصلت النهارده لازم تعرفها.
التفت جاسر إليه باهتمام:
- خير؟ فيه إيه تاني؟
تردد صفوان لحظة، ثم قال بصراحة:
- عتمان سألني عن سبب وقوفي جنب مهرة، وليه بدافع عنها بالشكل ده، وكان واضح إنه بدأ يشك إن فيه حاجة بينا. فقررت أريحه من التخمينات واعترفت له إني بحب مهرة وعايز أتجوزها.
اتسعت عينا جاسر قليلًا، ثم اقترب من المكتب وجلس مرة أخرى، متسائلًا:
- إنت قلت له إيه؟!
- قلت له الحقيقة. قلت له إني بحب بنته، وإن اللي بعمله مش مجرد دفاع عنها بسبب اللي حصل، لكن كمان لأني مش هقبل أشوفها مظلومة أو مكسورة قدامي.
ظل جاسر صامتًا لثوانٍ، ثم سأله:
- وهو كان رد فعله إيه؟
- اتصدم، وفضل يبصلي كأنه مش مستوعب الكلام. وبعدها خرج من المكتب لوحده، وقال لشاهنده ترجع مع جوزها، وإنه عايز يبقى لوحده. واضح إن ارتباطي بمهرة ماكانش داخل حساباته، وكان فاكر إنه يقدر يتحكم في كل حاجة زي ما خطط من الأول.
أطلق جاسر زفرة طويلة، ثم مرر يده على ذقنه وقال:
- عتمان عمره ما كان بيتوقع إن مهرة ممكن يكون ليها مكانة بالشكل ده عند حد، خصوصًا عندك إنت. هو طول عمره بيحسب كل حاجة بالمصلحة والمكسب والخسارة، ومش قادر يتخيل إن فيه حد ممكن يختار بنته لمجرد إنه بيحبها.
ابتسم صفوان ابتسامة هادئة وقال:
- وده اللي أنا عايز أثبته له. مهرة مش ورقة في إيد حد، ولا جايزة حد يكسبها بعد ما يخسر التاني. أنا عايزها لأنها مهرة، بكل اللي فيها، وبكل اللي مرت بيه.
نظر إليه جاسر طويلًا، ثم قال بنبرة جادة:
- وأنا مش هعترض على اختيارك يا صفوان، لكن عايزك تتأكد إن مهرة نفسها عايزة ده، وإنها مش بتوافق تحت تأثير الظروف اللي مرت بيها أو لأنها شايفة إنك الشخص الوحيد اللي واقف جنبها دلوقتي.
أومأ صفوان بتفهم:
- عارف يا بابا، ومش هضغط عليها في أي حاجة. أنا عايزها تختارني وهي مطمنة، مش محتاجة ليا.
ابتسم جاسر أخيرًا، وقد بدا أن شيئًا من الارتياح حل محل الإرهاق الذي كان يسيطر عليه، ثم قال:
- ربنا يكتب لكم الخير يا ابني، ويعوضها عن كل اللي شافته. بس افتكر إن الحب مش بس إنك تحميها من الناس، الحب كمان إنك تديها فرصة تقف على رجليها وتختار طريقها بنفسها.
نظر صفوان إلى الأوراق الموضوعة أمامه، ثم ابتسم وهو يتذكر إصرار مهرة على تولي العمل، وقال:
- وده بالضبط اللي ناوي أعمله.
كانت خديجة تجلس في الحديقة مع مهرة، وقد بدا عليها أنها تحمل كلامًا تريد أن تخبرها به منذ فترة. ظلت تنظر إليها للحظات، ثم قالت وهي تميل نحوها باهتمام:
- شفتِ يا مهرة؟ شاهنده كانت بتحاول تقرب مني النهارده، وفضلت تحكيلي عن نفسها وعن قد إيه هي كانت مظلومة، وإنها طول عمرها عايشة بعيدة عن أهلها، وكان نفسها يكون ليها أخت بنت وصاحبة تحكيلها وتشاركها حياتها، وإنها كانت بتخاف تقول للناس إنها من عيلة القحطاني عشان باباها كان محذرها.
نظرت إليها مهرة باستغراب، بينما تابعت خديجة حديثها وهي تهز رأسها:
- كانت بتحكي بطريقة تخلي أي حد يتعاطف معاها، وكأنها طول عمرها محرومة من كل حاجة، وإنها كانت نفسها تعيش وسط عيلتها زي أي بنت. بصراحة، أنا لولا إني سمعت أبوكي بنفسي وهو بيطردكم من البيت، وبيقول إن كل حاجة هتبقى لمراته وابنه، كنت صدقتها من طريقة كلامها. أنا معرفش إزاي زيدان حب بنت زي دي!
تنهدت مهرة، ولم تبدُ عليها الدهشة بقدر ما ظهر في عينيها شيء من الأسى. كانت تعرف أن شاهنده تجيد اختيار الكلمات التي تناسب كل شخص، وأنها قادرة على تقديم نفسها بالصورة التي تضمن بها تعاطفه، لكنها لم تكن ترغب في الانشغال بها أكثر من اللازم.
قالت بهدوء:
- شاهنده داخله العيله وهى عارفه هى عايزه ايه كويس ، ومش هتسكت غير لما تاخده شاهنده اللى مش هتعرف تاخده بالذوق هتاخده بالعافيه .
- وأنا كمان مش هقدر أتعامل معاها كأن مفيش حاجة حصلت. بس الغريب إنها كانت بتكلمني وكأننا أصحاب من زمان، وبتحاول تفتح بينا كلام وتعرفني على نفسها من جديد.
ابتسمت مهرة ابتسامة باهتة وقالت:
- يمكن محتاجة حد يقف في صفها بعد اللي حصل، بس مش معنى كده إني هنسى كل حاجة. كل واحد مسؤول عن اختياراته يا خديجة.
وقبل أن ترد خديجة، خرج صفوان من الفيلا، واتجه نحوهما بخطوات هادئة، ثم جذب مقعدًا وجلس بالقرب منهما. كان يبدو عليه الإرهاق، فقد قضى ساعات طويلة بين الملفات والمكالمات،وبعدها مواجهات ولم تعد لديه رغبة في سماع المزيد من الخلافات العائلية التي لا تنتهي.
نظر إليهما وقال بنبرة مازحة:
- هو إنتوا ما زهقتوش كلام في مشاكل؟ أنا زهقت خلاص، وعايز أخرج وأغير جو. الواحد بقى حاسس إنه عايش في اجتماع مجلس إدارة طول اليوم!
ضحكت مهرة، بينما اعتدلت خديجة في جلستها، وقد لمعت عيناها بحماس مفاجئ.
- طب ما تاخدنا الملاهي!
نظر إليها صفوان للحظة، وكأنه لم يتوقع أن يكون هذا هو اقتراحها، ثم قال:
- ملاهي؟!
- أيوه ملاهي. إنت بنفسك بتقول عايز تخرج وتغير جو، أهو نروح نلعب ونتبسط بدل ما نفضل قاعدين هنا نتكلم في المشاكل.
ضحكت مهرة من حماس خديجة، وقالت وهي تنظر إلى صفوان:
- واضح إنها كانت مستنية منك تقول عايز تخرج من بدري.
ردت خديجة بسرعة:
- طبعًا! وبعدين إيه المانع؟ إحنا من حقنا ننبسط شوية، ولا إنتوا الاتنين كبرتوا على الملاهي؟
ابتسم صفوان وهو ينظر إليهما، ثم قال:
- خلاص، أنا موافق. بكرة الصبح نروح.
توقفت خديجة عن الكلام، وحدقت فيه بدهشة، ثم التفتت إلى مهرة وكأنها تنتظر منها أن تؤكد لها أنه قال ما سمعته بالفعل.
- إنت بتتكلم بجد يا صفوان؟
ضحك وهو يهز رأسه:
- أيوه يا خديجة، بجد. إيه الاستغراب ده كله؟
قالت مهرة وهي تبتسم:
- أصلنا مش متعودين عليك توافق على حاجة زي دي بالسهولة دي. إحنا متعودين إن وقتك كله شغل واجتماعات.
- يعني أنا ممنوع أروح ملاهي؟
- لا طبعًا، حد يقدر يقول كده
ضحك صفوان، بينما نهضت خديجة بحماس، وكأنها لم تعد قادرة على الجلوس أكثر من ذلك.
- خلاص، أنا هطلع أجهز لبسي من دلوقتي.
نظرت إليها مهرة باستغراب وهي تضحك:
- من دلوقتي؟ يا خديجة إحنا لسه هنروح بكرة الصبح!
- ما أنا عارفة، بس لازم أكون جاهزة. وبعدين مش عايزة أصحى بكرة وأفضل محتارة هلبس إيه.
ثم التفتت إلى صفوان محذرة إياه بمزاح:
- أوعى تغير رأيك بقى، أنا هعتبر إنك وعدتني.
رفع صفوان يده مستسلمًا:
- خلاص يا ستي، وعد. بكرة الصبح هنكون جاهزين ونخرج.
ابتسمت خديجة بانتصار، ثم أسرعت إلى داخل الفيلا، تاركة مهرة وصفوان وحدهما في الحديقة. ظل صفوان يتابعها بعينيه حتى اختفت، ثم التفت إلى مهرة التي كانت تضحك على حماسها، وقال:
- أهو أخيرًا لقينا حاجة تفرح خديجة وتخلينا نبعد شوية عن دوشة المشاكل دي.
أومأت مهرة موافقة، وقالت بابتسامة هادئة:
- هي فعلًا محتاجة تخرج وتنبسط، وإحنا كمان.
تأمل صفوان ملامحها للحظات، فقد كان أكثر ما يريده أن يراها تضحك دون أن تحمل فوق كتفيها كل ذلك الألم، ثم قال:
- يبقى بكرة يومنا، مفيش شغل ولا كلام في مشاكل ولا حد يجيب سيرة عتمان أو زيدان. هنخرج ونتبسط وبس.
ابتسمت مهرة وهي تنظر إليه:
- اتفقنا أنا كمان عايزه اتبسط
بعدما اختفت خديجة داخل الفيلا، ظل صفوان ومهرة جالسين في الحديقة، وقد خيّم عليهما هدوء المساء. كانت مهرة تستند بظهرها إلى المقعد، بينما راح صفوان يتأمل ملامحها في صمت، ثم نهض ومد يده إليها قائلًا بابتسامة:
- إيه رأيك نتمشى شوية؟
نظرت إلى يده، ثم رفعت عينيها إليه بابتسامة خجولة، ووضعت كفها في كفه لتنهض، لكنه لم يترك يدها بعدما وقفت، بل احتفظ بها بين أصابعه، وبدأ يسير إلى جوارها بين الأشجار المزينة بأضواء صغيرة تتناثر على جانبي الممر.
كان يسير ببطء متعمد، حتى لا يضطرا إلى الوصول سريعًا إلى نهاية الحديقة، وكلما حاولت مهرة أن تسحب يدها لتعدل طرف ملابسها، كان يعيد الإمساك بها برفق، وكأنه وجد في تلك الخطوة البسيطة فرصة لا يريد التفريط فيها.
توقفت مهرة فجأة أمام إحدى الزهور المتسلقة على سور الحديقة، فانحنى صفوان والتقط زهرة صغيرة، ثم استدار إليها ومدها لها.
- اتفضلي.
أخذتها منه وهي تبتسم
- هو إنت بقيت رومانسي فجأة كده؟
اقترب منها خطوة، وقال بنبرة مازحة:
- فجأة؟ ده أنا بقالي فترة بحاول ألفت نظرك لمواهبي، بس إنتِ مش مدّياني فرصة.
ضحكت مهرة، فظل ينظر إليها للحظات، ثم قال:
- على فكرة، ضحكتك دي وحشتني أكتر ما تتخيلي.
خفضت عينيها نحو الزهرة، بينما تابع هو سيره حتى وصلا إلى حمام السباحة. توقف صفوان عند الحافة، ونظر إلى المياه التي كانت تعكس أضواء الفيلا، ثم خلع جاكيت بدلته ووضعه على أحد المقاعد، وفك أزرار أكمام قميصه.
التفتت إليه مهرة باستغراب:
- إنت بتعمل إيه؟
ابتسم دون أن يجيب، ثم اندفع بجسده في المياه، تاركًا خلفه موجة كبيرة جعلت مهرة تتراجع خطوة وهي تطلق صرخة مفاجئة.
ظهر صفوان على سطح المياه وهو يضحك، ثم مسح وجهه بيده ونظر إليها قائلًا:
- يا سلام! هو ده الفصلان الحقيقي. تعالي يا مهرة!
هزت رأسها سريعًا:
- إنت اتجننت؟ أنا مش هدخل الميه!
اقترب من الحافة ومد يده إليها، ثم قال متظاهرًا بالعجز:
- طب تعالي شديني يا مهرة، مش عارف أطلع!
نظرت إليه بريبة:
- صفوان، بطل استظراف، إنت بتعرف تعوم كويس!
- طب ما تيجي تتأكدي بنفسك!
مدت يدها إليه أخيرًا، وما إن أمسكت بكفه حتى أحكم قبضته عليها وجذبها نحوه، لتجد نفسها تسقط في المياه وسط صرختها وضحكته العالية.
خرجت مهرة إلى السطح وهي تلهث من المفاجأة، وأزاحت حجابها المبلل عن وجهها، ثم نظرت إليه بغيظ:
- صفوان! إنت مجنون؟!
كان يضحك بشدة، لكنه ما إن رأى نظراتها الغاضبة حتى اقترب منها محاولًا تهدئتها:
- خلاص، خلاص، ماتزعليش... بس كان لازم تشاركينى الفصلان.
حاولت الابتعاد عنه وهي تتمتم بغضب:
- أنا مش هكلمك تاني، والله ما هكلمك!
أمسك بيدها برفق حتى لا تبتعد، ثم قال مبتسمًا:
- طب بصيلي الأول، وبعدين قرري.
رفعت عينيها إليه، فوجدته قريبًا منها أكثر مما توقعت، والمياه تتساقط من شعره على وجهه، بينما كانت ابتسامته قد هدأت وتحولت إلى نظرة حانية جعلتها تنسى للحظة ما كانت تنوي قوله.
قال بصوت منخفض:
- كده أحلى.
- إيه اللي أحلى؟
- إنتِ... وإنتِ بتضحكي، وإنتِ متعصبة، وإنتِ حتى وإنتِ بتبصيلي النظرة اللي بتخوفيني بيها دي.
ابتسمت رغمًا عنها، فضحك وهو يقول:
- أهو! كنت عارف إنك مش هتعرفي تفضلي زعلانة مني.
رفعت يدها ورشت المياه في وجهه، فتراجع متظاهرًا بالصدمة:
- إيه ده؟! هو إحنا دخلنا في مرحلة الاعتداءات بقى؟
ضحكت مهرة، فاقترب منها مجددًا، وأحاط خصرها بذراعه بحذر، تاركًا لها مساحة تتحرك فيها، ثم قال وهو ينظر إلى عينيها:
- وحشتيني يا مهرة... وحشني إننا نكون مع بعض كده، من غير ما يبقى فيه حاجة تقلقنا أو تفسد علينا اللحظة.
استقرت يداها فوق كتفيه، وقالت بابتسامة رقيقة:
- وإنت مش واخد بالك إنك إنت اللي بوظت هدوء اللحظة لما وقعتني في الميه وانا مش بعرف اعوم ؟؟
ضحك وهو يميل برأسه قليلًا:
- طب أعمل إيه عشان تصالحيني؟
- تطلعني الأول من هنا، أنا بدأت أحس إني هتجمد!
اقترب منها أكثر، ثم رفع يده وأزاح خصلة شعر مبللة التصقت بوجنتها، وقال:
- تؤمري يا حبيبتي.
ثم أمسك بيدها وساعدها على الوصول إلى السلم، لكنه قبل أن يصعد ترك قبلة رقيقة على يدها ، جعلتها تبتسم وتخفض عينيها في خجل.
أما هو، فظل ينظر إليها بابتسامة عاشقة، وكأنه لم يكن يحتاج إلى أكثر من تلك اللحظة ليشعر بأن العالم عاد إلى مكانه الصحيح.
في صباح اليوم التالي، كانت مهرة تقف أمام المرآة تتأكد من ترتيب حجابها، ثم التقطت حقيبتها الصغيرة وغادرت غرفتها. وما إن وصلت إلى أسفل الدرج حتى وجدت صفوان ينتظرها، وقد ارتدى ملابس كاجوال أنيقة بدلًا من بدلته المعتادة، فبدا مختلفًا تمامًا عن الرجل الذي اعتادت رؤيته محاطًا بالملفات والاجتماعات.
رفع عينيه إليها، وتوقفت ابتسامته لحظة وهو يتأملها، ثم قال:
- صباح الورد على الورد جاهزه
ابتسمت مهرة بخجل:
- صباح النور... إنت جاهز من بدري أهو.
- من بدري؟ أنا مستني من ساعة، بس واضح إن في ناس بتاخد وقتها في التجهيز.
ضحكت وهي تتجه نحوه:
- يعني إيه؟ هو أنا هخرج من غير ما أظبط حجابي ولبسي؟
- لا طبعًا، خدي وقتك براحتك يا باشا .
بعد قليل، وصلوا إلى دريم بارك، وما إن دخلوا حتى تبدلت ملامح خديجة من شدة الحماس. راحت تتأمل الألعاب الملونة والأضواء والحركة من حولها، بينما كانت مهرة تضحك على تصرفاتها، وصفوان يسير إلى جوارهما وهو يشعر بسعادة حقيقية لرؤيتهما بهذه الحالة.
أشارت خديجة إلى إحدى الألعاب الثنائية وقالت بحماس:
- أنا عايزة أركب دي!
نظر صفوان إلى اللعبة، ثم قال:
- طب يلا بينا.
أمسكت خديجة بذراعه وسحبته نحوها، بينما ضحكت مهرة وهي تراقبهما. جلس صفوان إلى جوار خديجة، وما إن بدأت اللعبة في الحركة حتى علت صرخات الأخيرة، بينما ظل هو يضحك على خوفها المبالغ فيه.
- يا صفوان! وقفها! أنا مش عايزة أموت النهارده!
ضحك بصوت عالٍ:
- إنتِ اللي اخترتي اللعبة يا خديجة!
- ماكنتش أعرف إنها هتعمل فيا كده!
كانت مهرة تتابعهما من الأسفل وهي تضحك، وحين انتهت اللعبة نزلت خديجة بخطوات متعثرة قليلًا، ثم قالت وهي تلتقط أنفاسها:
- أنا مش هركبها تاني... بس كانت حلوة!
نظر إليها صفوان ساخرًا:
- يعني إيه مش هتركبيها تاني بس كانت حلوة؟
- يعني عايزة أجرب غيرها!
ضحكت مهرة، ثم اقترب صفوان منها ومد يده قائلًا:
- دورك بقى.
نظرت إلى اللعبة التي اختارتها خديجة، ثم إليه:
- أنا مش عارفة إذا كنت هقدر أركبها ولا لأ.
- وأنا جنبك، ماتخافيش.
صعد معها إلى اللعبة الثنائية، وجلس إلى جوارها، ثم ثبت حزام الأمان وتأكد من إحكامه قبل أن يلتفت إليها.
- مستعدة؟
- مش أوي.
أمسك بيدها وقال:
- بصيلي أنا، وسيبي الباقي عليا.
بدأت اللعبة تتحرك، فقبضت مهرة على يده بقوة، بينما كان صفوان يضحك ويحاول أن يطمئنها. وكلما ارتفعت اللعبة، اقتربت منه أكثر، حتى انتهت الجولة وهي لا تزال ممسكة بكفه.
نظر إلى يدها ثم إليها مبتسمًا:
- هو أنا كنت فاكر إنك هتخافي من اللعبة، طلعتِ بتخافي عليا أنا من كتر ما إنتِ ماسكة إيدي.
ضحكت وهي تحاول استعادة أنفاسها:
- أصل إنت مستفز، وكنت عايزني أسيب إيدك يعني؟
- لا، خليها كده أحسن. أنا مبسوط.
بعد جولة طويلة بين الألعاب، توقفت مهرة أمام عربة غزل البنات، وظلت تنظر إلى الألوان المتداخلة وهي تتشكل حول العصا الخشبية. لاحظ صفوان اهتمامها، فاقترب من البائع واشترى لها واحدة كبيرة، ثم عاد ومدها إليها.
نظرت إليه بدهشة:
- كل ده عشاني؟
- أمال هشتريها لمين؟
أخذتها منه بابتسامة واسعة، ثم قطعت جزءًا صغيرًا منها وتذوقته، قبل أن تلتفت إليه وتقول:
- تحب تدوق؟
اقترب منها وأخذ قطعة صغيرة من طرف غزل البنات، ثم قال:
- حلوة، بس مش أحلى منك.
هزت رأسها ضاحكة:
- إنت النهارده حافظ كلام رومانسي ولا إيه؟
- لأ، أنا النهارده فاضي ومركز معاكي، فالكلام بيطلع لوحده.
كانت خديجة قد ابتعدت قليلًا لتشاهد إحدى الألعاب، بينما ظل صفوان ومهرة وخديجه يتجولان معًا. توقفا أمام متجر صغير للألعاب والهدايا، فدخل صفوان وراح يتفحص المعروضات، ثم اختار لها دمية صغيرة على شكل دب يرتدي ملابس ملونة.
مدها إليها قائلًا:
- دي عجبتني، وحسيت إنها شبهك.
تأملت الدمية ثم نظرت إليه:
- شبهّي إزاي؟ دبه 😂😂🙆
- مش عارف، فيها حاجة كده لطيفة وهادية... بس عندها شخصية، باين عليها مش سهلة.
ضحكت مهرة وهي تأخذها منه:
- يعني حتى الدبدوب مش عاجبك فيه إنه عنيد؟
- أنا بحب العناد ده لما يكون منك.
لم يكتفِ بذلك، بل اشترى لها لعبة صغيرة مضيئة، ثم ميدالية تحمل شكل قلب، وأصر أن تختار بنفسها ما يعجبها. كانت مهرة ترفض في البداية أن يشتري لها كل هذه الأشياء، لكنه كان يبتسم كلما رآها تتوقف أمام شيء يعجبها.
قالت له أخيرًا:
- صفوان، كفاية بقى، إنت هتشتري المحل كله؟
- لو المحل كله هيخليكي مبسوطة، ممكن أفكر في الموضوع.
ضحكت، ثم وضعت يدها في ذراعه وقالت:
- أنا مبسوطة من غير كل ده.
توقف عن السير ونظر إليها، ثم قال بصدق:
- عارف، بس أنا بحب أدلعك. وبحب أشوفك وإنتِ بتختاري حاجة عجباكي، وبحب إن يبقى عندك حاجة صغيرة تفتكري بيها اليوم ده.
ابتسمت مهرة، ومالت برأسها قليلًا على كتفه وهما يسيران، بينما احتفظ هو بذراعه حول يدها.
ومع مرور الوقت، قررت خديجة أن تختار لعبة أخرى، فهذه المرة أصرت أن يرافقها صفوان، ثم عادت مهرة لتشاركه جولة جديدة في إحدى الألعاب الثنائية. تنقلوا بين الضحك والمنافسة والتقاط الصور، وكان صفوان يتعمد أن يلتقط لمهرة صورًا كثيرة،
رفعت حاجبيها وهي تنظر إلى هاتفه:
- إنت صورتني كام صورة لحد دلوقتي؟
- لسه شوية، أنا محتاج أعوض كل الصور اللي ماخدتهاش ليكي.
- طب وريني.
اقترب منها وأراها الصور، فوجدت أنه التقط لها صورًا وهي تضحك، وأخرى وهي تتذوق غزل البنات، وثالثة وهي تحمل الدمية التي اشتراها لها. ابتسمت وهي تتأملها، ثم قالت:
- حلوين أوي.
رد صفوان وهو ينظر إليها بدلًا من الهاتف:
- عشان إنتِ فيهم.
وبعد فتره انتهت خديجه من لعبه كانت تركبها بمفردها ولحقت بهم وفي نهاية اليوم، جلسوا قليلًا ليستريحوا، وكانت مهرة تحتضن الدمية الصغيرة في حجرها، بينما وضع صفوان المشتريات إلى جواره. نظر إليها فوجد التعب قد بدأ يظهر على ملامحها، لكنه كان ممزوجًا بسعادة لم يرها على وجهها منذ وقت طويل.
- اتبسطوا النهارده؟
أومأت بابتسامة: وذهبت بعدها للمرحاض واكملت مهره حديث
- جدًا... من زمان ما ضحكتش بالشكل ده.
مرر إبهامه برفق فوق أصابعها، وقال:
- يبقى لازم نكرر اليوم ده كتير.
نظرت إليه بحنان:
- مش مهم نروح فين، المهم نكون مبسوطين مع بعض.
ابتسم صفوان، ثم رفع يدها وقبّلها أمام عينيها، وقال:
- وأنا طول ما إنتِ معايا، أي مكان هيبقى حلو.
اتت ، خديجة وظلت تستعيد مواقف اليوم وتضحك كلما تذكرت خوفها في إحدى الألعاب. شاركهما صفوان الضحك، وكان يشعر بالرضا وهو يرى مهرة بهذه السعادة، فقد كان اليوم بعيدًا تمامًا عن أجواء الخلافات التي أحاطت بهم مؤخرًا.
وبينما كانوا يتناولون الطعام، اهتز هاتف صفوان فوق الطاولة، فألقى نظرة على الشاشة، وما إن رأى اسم زيدان حتى تبدلت ملامحه قليلًا. استأذن منهما وأجاب المكالمة.
- أيوه يا زيدان.
جاءه صوت زيدان مرهقًا، وكأن صاحبه لم ينم جيدًا منذ أيام:
- إنت فين يا صفوان؟
- في مطعم، بتعشى. خير؟
تنهد زيدان قبل أن يجيبه:
- أنا تعبت يا صفوان، تعبت من التفكير والشك. مش قادر أصدق اللي سمعته، وفي نفس الوقت مش قادر أتعامل مع شاهنده كأن مفيش حاجة حصلت. كل ما أبص لها أفتكر كلام أبوها، وأفضل أسأل نفسي هي كانت بتحبني فعلًا ولا كل اللي حصل كان بترتيب منه؟
ظل صفوان يستمع إليه دون مقاطعة، ثم قال:
- وإنت وصلت لإيه؟
- مش عارف. ساعات بحس إني ظلمت مهرة، وبفتكر كل اللي حصل بيني وبينها، وبفكر فيها... وبسأل نفسي لو كنت ما اتسرعتش في قراري، كانت حياتي هتبقى عاملة إزاي؟
تغيرت ملامح صفوان فور سماعه اسم مهرة على لسانه، وانقبضت أصابعه حول الهاتف. حاول أن يحافظ على هدوئه، خاصة أن مهرة تجلس على بُعد خطوات منه، ولا يريد أن يفسد عليها الليلة التي قضتها سعيدة.
- يا زيدان، ماتدخلش الحاجات في بعضها. إنت عندك مشكلة مع شاهنده، وعندك شكوك لازم تحسمها، لكن ماترجعش تفتح حكايات انتهت.
رد زيدان بصوت خافت:
- بس أنا حاسس إني ظلمتها، ومش عارف أبطل تفكير فيها.
ضغط صفوان على فكه، وحاول أن يسيطر على نبرة صوته قبل أن يقول:
- يا زيدان، سيب مهرة وركز مع شاهنده، وشوف هتعمل إيه. كده كده مهرة ماعندهاش مشاعر ناحيتك عشان تحس بتأنيب ضمير، هي خلاص اختارت طريقها، وإنت كمان لازم تركز في حياتك بدل ما تفضل واقف عند اللي فات.
سكت زيدان للحظات، ثم قال:
- يمكن عندك حق... أنا بس كنت محتاج أتكلم مع حد.
- وأنا قلتلك اللي عندي. فكر بهدوء، وماتاخدش قرار وإنت متلخبط.
أنهى صفوان المكالمة، لكنه ظل ممسكًا بالهاتف للحظات، وعيناه معلقتان بالشاشة السوداء. لم يعجبه أن يسمع زيدان يتحدث عن مهرة بهذه الطريقة، ولا أن يكتشف أن ابن عمه بدأ يستعيد ذكرياته معها بعدما عرف حقيقة ما دبره عتمان. كان يعلم أن زيدان لا يملك حق العودة إلى حياتها لمجرد أنه شعر بالندم، وأن مهرة دفعت ما يكفي من الألم بسبب قراراته.
أعاد الهاتف إلى جواره، ثم حاول أن يستعيد ملامحه الهادئة قبل أن يلتفت إلى مهرة.
كانت تنظر إليه في انتظار أن ينتهي من المكالمة، فسألته:
- زيدان؟
أومأ صفوان:
- أيوه، كان عايز يتكلم شوية.
ـ خير؟ فيه حاجة حصلت؟
- لا، مجرد كلام عن مشاكله مع شاهنده.
لم يرد أن ينقل إليها حديث زيدان، ولا أن يعيدها إلى ذكريات حاولت أن تتجاوزها. ابتسم لها محاولًا إنهاء الحديث، لكن هاتفه اهتز مرة أخرى، وهذه المرة كان اسم والده ظاهرًا على الشاشة.
أجاب فورًا:
- أيوه يا بابا.
جاءه صوت جاسر على غير عادته، متوترًا ومقتضبًا:
- إنت فين يا صفوان؟
- في المطعم يا بابا، خير؟
- تعالى على المستشفى حالًا.
اعتدل صفوان في جلسته، وقد اختفت ابتسامته تمامًا:
- المستشفى؟ ليه؟ حصل إيه؟
تردد جاسر لحظة، ثم قال بصوت ثقيل:
- عمك عتمان عمل حادثة كبيرة يا صفوان، ونقلوه المستشفى.
تجمد صفوان في مكانه، وكأن كلمات والده احتاجت إلى لحظات حتى يستوعبها.
- حادثة؟! إزاي؟ وإيه أخباره دلوقتي؟
- أنا لسه وصلت، ومش عارف تفاصيل كتير. تعالى بسرعة.
- حاضر يا بابا، أنا جاي حالًا.
أنهى المكالمة ونهض من مكانه على الفور، فرفعت مهرة عينيها إليه بقلق، ولاحظت التغير المفاجئ في ملامحه.
- صفوان، في إيه؟
نظر إليها وقال بجدية:
- عمي عتمان عمل حادثة، وبابا في المستشفى وطلب مني أروح له حالًا.
وضعت مهرة يدها فوق صدرها، وقد بدت الصدمة واضحة على وجهها:
- حادثة؟! طب هو كويس؟ حصله حاجة؟
- مش عارف، بابا ماقالش تفاصيل. لازم نتحرك دلوقتي.
نهضت مهرة بسرعة، وأخذت حقيبتها، بينما وقف صفوان إلى جوارها ودفع الحساب، ثم تحركوا جميعًا نحو الخارج. وفي الطريق إلى السيارة، كانت مهرة صامتة، شاردة في الخبر الذي باغتها، رغم كل ما بينها وبين أبيها من جراح.
أما صفوان، فكان يقود بسرعة محسوبة، وعقله منشغل بسؤال واحد: ماذا حدث لعتمان؟ وهل كانت الحادثة خطيرة إلى هذا الحد الذي جعل والده يتحدث بتلك النبرة؟
