رواية الاسد الجريح الفصل الثالث
نور بصت لمامتها وقالت لها:
نور: وبعدين معاكي يا ماما؟ ما تقلقيش عليا، بنتك ما تخافيش عليها... بنتك يتخاف منها. وبعدين إنتوا علمتوني إني ما أخافش من حد، وعلمتوني إني أبقى قوية وشجاعة.
طب لو إنتوا خايفين عليا بالطريقة دي، ليه خليتوا شخصيتي تبقى بالشكل ده؟
مامتها بصتلها وقالت بتنهيدة:
الأم: ما فيش فايدة فيكي يا نور. في الأول والآخر أنا أم، ومن حقي أخاف عليكي.
مش كل حاجة بتفكري فيها ينفع نعملها، والدنيا مش كل حاجة فيها ينفع نغامر بيها. أنا عايزاكي دايمًا تاخدي بالك من نفسك.
سكتت لحظة، وبعدها قالت بصراحة:
الأم: وبصراحة كده، أنا عايزاكي تغيّري التخصص اللي إنتِ اخترتيه. خليكي في الإذاعة والتليفزيون بدل التخصص اللي دخلتيه.
نور بصتلها وعينيها وسعت من المفاجأة.
نور: إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟ لا طبعًا! أنا خلاص اخترت، ومرتاحة جدًا لاختياري. وبعدين بكرة هتعيّن في الجريدة، وما تقلقيش عليا.
مامتها بصتلها، وبعدها قالت بنفاد صبر:
الأم: أنا تعبت من الكلام معاكي. يلا أتغدي، وبعد كده ارتاحي.
وبعدها خرجت وسابتها لوحدها.
نور فضلت قاعدة شوية، بتفكر في كلام مامتها، وبعدها رفعت عينيها أدامها وقالت:
نور: هو فعلًا اللي أنا عملته ده كان صح ولا غلط؟ بس أنا كنت أعمل إيه؟ لو كنت سبت ريهام صاحبتي، كان ممكن يأذيها، وفي نفس الوقت العربية كلها كانت في خطر.
سكتت شوية، وافتكرت سليم.
نور: أنا مش فاهمة... شاب زيه، وباين عليه إنه مش ضعيف، إزاي يقعد ساكت بالمنظر ده؟!
وبعدها هزت راسها وقالت لنفسها:
نور: ما علينا، اللي حصل حصل. أنا شايفة إن أنا تصرفت صح، وكل اللي هعمله إني بعد كده هاخد بالي أكتر. لكن ده ما يمنعش إني أوقف مساعدة أي حد محتاج لي.
عدّت الليلة، وتاني يوم صحيت وجهزت نفسها ونزلت الجامعة.
حضرت محاضراتها، وبعد كده الدكتور مدحت بلغهم إن فيه محاضرات هتتعمل في الجامعة، وهيحضرها عدد من الضباط التابعين لأكاديمية الشرطة، وده في إطار مقترح جديد للتعاون بين خريجي كلية الإعلام والأكاديمية خلال الفترة الجاية.
الدكتور مدحت: التعاون ده لسه مقترح جديد، ومن المنتظر إنه يتنفذ خلال الفترة اللي جاية. لكن طبعًا مش كل الطلبة هيكون ليهم فرصة المشاركة، إحنا هنختار عدد معين منكم، والاختيار هيكون على أساس الكفاءة والتميز في التخصص، ومدى قدرة كل طالب على إثبات نفسه...
بمجرد ما انتهت نور من محاضرتها، خرجت هي وزميلتها للكافيتيريا، وقعدوا على ترابيزة يتكلموا.
سهيله: هي ريهام صاحبتك ما جتش النهارده ليه؟
نور: تلاقيها مرهقة وتعبانة من الموقف اللي حصل امبارح.
سهيله: إيه اللي حصل؟
بدأت نور تحكيلها تفاصيل الموقف اللي حصل، وأول ما خلصت كلامها، سهيله بصتلها باستغراب وقالت:
سهيله: إنتِ اتجننتي يا نور؟! إنتِ إزاي تتصرفي كده؟ وبعدين على فكرة، ريهام ما تستاهلش اللي إنتِ عملتيه عشانها.
نور بصتلها باستغراب وقالت:
نور: في إيه يا سهيلة؟ أنا ما شفتش منها لحد دلوقتي حاجة وحشة. البنت فعلًا في حالها، إنتوا كلكم واخدين منها موقف ليه بالشكل ده؟
سهيله: لأن دي كانت صاحبتنا من زمان قوي، وإحنا عارفين كويس جدًا صفاتها، وعارفين إنها غدارة. إنتِ فاكرة إننا كلنا بعدنا عنها ليه؟ إحنا خايفين إنها تأذيكي، ومع ذلك إنتِ بتحميها وبتدافعي عنها!
نور: حتى لو إنتِ بتقولي كده، أنا لحد دلوقتي ما اتأذيتش منها في حاجة، وهخلي بالي منها. والمثل بيقول: حرس ولا تخون، صح؟
سهلية: ماشي يا ستي، ربنا يستر.
في اللحظة دي، نور قررت تغيّر الموضوع وقالت:
نور: سيبكم بقى من الكلام في موضوع ريهام دلوقتي، وقولولي إيه رأيكم في كلام دكتور مدحت؟ فيه حد ناوي ينضم للتدريبات دي؟ الدكتور قال إن الموضوع مش إجباري، واللي عايز ينضم هو حر.
واحدة من البنات ردت عليها وقالت:
الطالبة: بصراحة أنا ما عنديش قلب إن يكون فيه ارتباط بيني وبين التدريب اللي هيحصل، خصوصًا إن بعض الضباط هيكونوا موجودين، ودول بيبقوا شداد جدًا في التعامل، وأنا بصراحة مش هقدر أتعامل معاهم.
خليني أنا في الدراسة النظري، وخليكي إنتِ يا ست نور في الشغل اللي إنتِ عايزاه...
تخصص نور ما كانش تخصص عادي أو سهل، بالعكس، كان من التخصصات الصعبة اللي محتاجة شخصية قوية، وشجاعة، وقدرة على المواجهة، وروح مغامرة مش موجودة عند أي حد.
لأن المجال ده مش مجرد دراسة نظرية أو كتابة تحقيقات صحفية من ورا مكتب، لكنه محتاج حركة ونزول ميداني، ودخول أماكن مختلفة، والبحث عن الحقيقة وسط ظروف ممكن تكون خطيرة، والتعامل مع أشخاص من بيئات مختلفة، وأحيانًا وسط مجرمين وبلطجية.
وده كان من أكتر الحاجات اللي مخوفة مامتها عليها، لأنها كانت متخيلة إن دراسة نور هتكون نظرية بشكل أكبر، وإنها مش هتضطر تواجه كل المخاطر دي بنفسها. لكن مع الوقت، بدأت تكتشف إن بنتها مش بتكتفي بالدراسة، وإنها عندها استعداد تاخد قرارات وتنفذها على أرض الواقع، حتى لو المواقف اللي بتقابلها فيها خطورة.
وكان من حظ نور، أو يمكن من نصيبها، إنها تبدأ تخصصها بمواقف صعبة بالشكل ده.
نور اختارت تخصص الصحافة الاستقصائية والإعلام الأمني، مع التركيز على الصحافة الرقمية والتحقيقات المرتبطة بالقضايا المجتمعية والأمنية.
والتخصص ده كان هيفتح ليها مجال للتعامل المستمر مع أكاديمية الشرطة، مش بس من خلال المحاضرات والزيارات، لكن كمان من خلال التدريبات والأنشطة العملية المشتركة، اللي هتتيح ليها التعامل مع بعض الضباط والتعرف على طبيعة عملهم، والمشاركة في إعداد تحقيقات وتقارير عن قضايا أمنية ومجتمعية، في حدود المعلومات المسموح لها بالاطلاع عليها.
ومن بعد ما الدكتور مدحت أعلن عن برنامج المحاضرات المتخصصة داخل أكاديمية الشرطة، واللي هيكون بالتعاون مع كلية الإعلام، نور كانت متحمسة جدًا للفكرة.
فضلت تفكر: يا ترى إيه بالضبط الدور اللي هتقوم بيه لما المحاضرات دي تبدأ؟ وإيه طبيعة التدريبات اللي هتشارك فيها؟ وهل هيكون فيه فرصة إنها تتعرف على طبيعة العمل الأمني عن قرب؟
كانت تقريبًا البنت الوحيدة اللي عندها الحماس الزائد ده للمشاركة، وده ما كانش غريب عليها، لأنها بطبيعتها بتحب التجربة والمغامرة، ودايمًا عندها فضول تعرف اللي مش واضح قدامها.
لكن ريهام انضمت معاها هي كمان، وده كان لسبب مختلف تمامًا.
ريهام كانت عارفة كويس إنها ممكن تستفيد من الفرصة دي، وإن وجودها معاها وسط مجموعة من الضباط والمتخصصين ممكن يحقق ليها مصالح هي بتفكر فيها.
كانت دايمًا بتحط مصلحتها الشخصية في المقام الأول، وبتعرف إزاي تظهر قدام الناس بصورة البنت الهادية اللي في حالها، واللي ما بتأذيش حد.
ونور، على عكس باقي زميلاتها، كانت شايفاها بصورة مختلفة عن الصورة اللي هما راسمنها ليها. كانت بتتعامل معاها بحسن نية، وما كانتش بتصدق التحذيرات اللي بتسمعها عنها.
ومع مرور الأيام والشهور، انتهت السنة الدراسية التالتة، ونور كانت مستنية بفارغ الصبر بداية المحاضرات والتدريبات المتخصصة، اللي كان مقرر إنها تبدأ خلال الإجازة الصيفية.
وبما إن ريهام كانت البنت الوحيدة من زمايلهم اللي انضمت للبرنامج مع نور بحانب تلات بنات، بقى فيه احتكاك بينهم بشكل أكبر، وبدأت علاقتهم تقوى مع الوقت.
نور بدأت تتقرب من ريهام أكتر، وريهام كمان بدأت تقرب منها، لحد ما نور حبتها بجد، وبدأت تعتبرها صاحبتها المقربة، وتشاركها تفاصيل يومها وتفكيرها.
وده ما كانش معناه إن نور بعدت عن سهيلة أو باقي صاحباتها، بالعكس، كانت لسه مرتبطة بيهم، لكن سهيلة وبعض زميلاتها فضلوا مصرين إنها تبعد عن ريهام على قد ما تقدر.
وكانوا كل ما يلاقوا فرصة يحذروها منها، لكن نور ما كانتش بتدي كلامهم اهتمام كبير، ولا بتحطه في دماغها.
كانت بتتعامل بحسن الظن وتصرفاتها الظاهره أمامها...
وريهام كانت بارعه في انها تخفي شخصيتها السوداويه بداخلها...
كانت دايمًا بتفكر: هي هتأذيني في إيه؟ أنا لحد دلوقتي ما شفتش منها حاجة وحشة، ولا حصل منها موقف يخليني أحكم عليها بالشكل ده.
لكن نور ما كانتش تعرف إن حسن نيتها وثقتها في ريهام هيكونوا سبب في أذى نفسي كبير هتتعرض له بعد كده، وإن الصورة اللي رسمتها لصاحبتها هتبدأ تتغير بطريقة ما كانتش تتخيلها.
أما بالنسبة لسليم، فكان الوضع مختلف تمامًا بالنسبة له.
سليم كان ضابط شرطة مجتهد، جسور، شجاع، مقدام وجريء.
عنده كرامه واعتزاز بنفسه شخصيته قوية، وبيحب شغله جدًا، لكن في نفس الوقت ما كانش بيحب أي حد يتخطى حدوده معاه، أو يتدخل في قراراته، أو يحاول يضغط عليه علشان ياخد منه معلومة هو مش عايز يقولها.
غامض معظم الوقت ما بيحبش دلع البنات ولا دلالهم المبالغ فيه لكن بيحب مل شخص بطبيعته البنت بنت والولد ولد...
كان شايف إن شغله رسالة، وإنه اختار الطريق ده علشان يحارب الظلم والفساد، ويحاول يحقق العدل مهما كانت الصعوبات اللي بتواجهه.
اتخرج سليم من كلية الشرطة من تلات سنين، وكان هو الولد الوحيد وسط أربع بنات. أخواته الأكبر منه اتنين كانوا متجوزين، والباقيين أصغر منه، وده كان مخلي أبوه وأمه دايمًا قلقانين عليه، خصوصًا إنه ابنهم الوحيد، وطبيعة شغله فيها مخاطر كتير.
لكن سليم كان دايمًا بيحاول يطمنهم، ويرد على خوفهم بنفس الجملة:
سليم: مافيش ضابط شرطة التحق بالأكاديمية وقلبه خايف أو جبان. إحنا اختارنا الطريق ده وإحنا عارفين كويس إحنا داخلين على إيه.
كانت مامته تبصله بحنان وتقول:
الأم: أنا ربنا رزقني بأربع بنات وضابط. وتضحك....
سحر وسمر وسليم وسندس وسلمي....
وساعتها أخواته البنات، خصوصًا الأصغر منه، كانوا ينفجروا بالضحك ويقولوا:
إحنا امبراطوريه حرف السين....
بابا سعد حسين السعدي...
وماما سهير محمود السعيد...
سندس: أيوه يا ماما، بتفكرينا بفيلم نعيمة عاكف «الأربع بنات وضابط»! بس ابنك مش الضابط ده خالص!
وبعدين سلمي تبصله وتقول:
سلمي: إحنا نفسنا بقى يحب ويتجوز. لكن إمتى؟ هيفضل كده لحد إمتى؟ ولا هو شايل موضوع الجواز ده من دماغه خالص؟
كان سليم يبصلهم بابتسامة خفيفة ويرد:
سليم: لسه بدري، ولسه ما جتش اللي تخطف قلبي.
وبعدين يكمل كلامه بمنتهى الثقة:
سليم: وبعدين أنا بصراحة عايزها بنت بمعنى الكلمة. لكن بنات اليومين دول الحالة اتقلبت بيهم، وحاسس إنهم بقوا رجالة مش بنات!
أنا عايز واحدة هادية، واحدة تسمع كلامي، واللي أقوله تنفذه، وما تطلبش مني إنها تخرج تشتغل. بالعكس، أنا عايزها تبقى زي أمي كده.
ومسك إيد أمه وبصلها بحب وقال:
سليم: عايزها نسخة منك يا أمي. واحدة تاخد بالها من بيتها، ومن جوزها وأولادها، وتربيهم أحسن تربية، زي ما إنتِ ربيتينا.
مش عايز واحدة تفضل تدور على حقوق المرأة والشغل والوظيفة، وتقولي نأجل الخلفة علشان مستقبلي وعلشان جمالي، والكلام اللي البنات طالعين بيه اليومين دول.
أخواته كانوا بيبصوله ويضحكوا، وبعدين سمر قالت:
سمر: يعني إنت رافض إن إحنا نشتغل؟
سليم: وأنا غصبت واحدة فيكم إنها تقعد من شغلها؟ أنا ما قلتلكمش سيبوا شغلكم واكتفوا ببيوتكم، لكن في الآخر واجبكم الأساسي إنكم تاخدوا بالكم من بيوتكم وأزواجكم وأولادكم. بيتكم قبل أي حاجة.
سحر الكبيرة ردت عليه بابتسامة:
سحر: بس ده ما يمنعش إن إحنا نشوف نفسنا، ونحقق أهدافنا وطموحاتنا. وإحنا قدامك، ما بنقصرش في حياتنا الزوجية، ولا تجاه أزواجنا، ولا بيتنا وأولادنا.
سليم بص لهم وسكت شوية، وبعدها قال:
سليم: أنا معاكم، وطالما إنتوا وأزواجكم متفقين، فأنا مش معترض. لكن لو واحد فيهم جه اشتكى لبابا إن إنتوا مقصرين في حقه أو في حق بيتكم، أنا أول واحد هقف معاه، وساعتها كل واحدة فيكم هتسيب شغلها وتركز في بيتها.
كان سليم عنده قناعة راسخة إن البنت بعد الجواز بيكون ليها بيتها وزوجها وأولادها، وإن مسؤوليتها الأولى تكون تجاه أسرتها.
وكان رافض فكرة إن زوجته المستقبلية تنزل تشتغل وتحتك بالرجالة، أو يكون فيه اختلاط بينها وبين زملاء في العمل.
وفجأة، ومن غير مقدمات، جه في باله موقف نور، أول مرة شافها فيها، لما لمحها واقفة مع شخص في الضلمة.
سكت فجأة، وملامحه اتغيرت، وبان عليه الضيق.
أخته سندس لاحظت تغيره، فبصتله وسألته:
سندس: في حاجة يا سليم؟ حاساك افتكرت حاجة واتضايقت.
سليم بص لها وسكت لحظة، وبعدين رد بضيق:
سليم: أبدًا، مافيش. ربنا يستر... يا رب يستر بناتنا كلنا.
وبص لسندس وسلمي، وقال بنبرة جدية:
سليم: أنا بنبه عليكم، كل واحدة فيكم تاخد بالها من نفسها، وما تسمحش لأي زميل ليها، سواء في الجامعة أو المدرسة، إنه يقرب منها، لا بكلمة ولا بلمسة، وما تفتحش أي مجال بينها وبينه. إنتوا سامعين؟
أخواته بصوا لبعض، وحسوا إنه بيتكلم بجد المرة دي، فردوا عليه:
أخواته: حاضر، حاضر.
وبعدين سندس سألته باستغراب:
سندس: بس إنت إيه اللي خلاك تقلب علينا مرة واحدة كده؟
سليم بص لهم من غير ما يرد، وقام من مكانه ودخل أوضته.
كان متضايق فعلًا من الموقف اللي شافه يوم ما قابل نور، ورغم إنه حاول يتجاهله، إلا إن صورتها وهي واقفة مع الشخص ده في الضلمة فضلت عالقة في دماغه....
سليم رجع بذاكرته لليوم ده واللي حصل فيه..
رجع سليم مكتبه بعد الموقف اللي حصل، وكان جواه إحساس بالعجز عمره ما اعتاد عليه.
قعد على مكتبه وهو مستني أي أخبار عن الميكروباص، وعقله مشغول باللي حصل، وبالشخص اللي تعرض للميكروباص وبالنبت اللي كانت راكبه معاه....
عدت حوالي تلات ساعات، لحد ما وصلته أخبار من القوة اللي راحت تدور على الميكروباص.
في الوقت ده دخل مروان مكتبه وقاله:
مروان: الميكروباص اللي أنت بلغتني عنه، بنفس المواصفات ونفس الرقم، لقيناه في آخر شارع كله مطبات، بس للأسف ما كانش فيه أي حد.
سليم رفع عينه من على المكتب وبص له باستغراب:
سليم: يعني إيه ما كانش فيه حد؟ المجرم والبنت؟
مروان: الميكروباص كان متساب في الشارع، ومفيش أي حد موجود في المكان.
سليم سكت لحظة، وبدأ يفكر بينه وبين نفسه:
يا ترى إيه اللي حصل؟ أنا كان لازم أوصل للشخص ده... يا ترى البنت جرى لها حاجة؟
وبعدها حاول يوقف تفكيره، وقال لنفسه:
هيجرى لها إيه؟ ما هي اللي قربت من الشخص ده بنفسها!
لكن سرعان ما افتكر إنها في اللحظة دي قدرت تتكلم مع المجرم، وتتصرف بطريقة أنقذت بيها العربية والركاب اللي فيها.
اتنهد بضيق وقال في نفسه:
بس هي بتستخدم طريقة ممكن تأذي نفسها بيها... مش كل مرة هتقدر تخرج من المواقف دي سليمة.
كان واضح عليه الضيق، وده خلى مروان ياخد باله منه.
مروان: مالك يا سليم؟ في حاجة؟
سليم بص له ورد باختصار:
سليم: أبدًا، مفيش.
سليم بطبيعته كان شخص كتوم، مش بيحب يتكلم كتير عن اللي جواه، وبيفضل يحتفظ بأفكاره لنفسه.
وبعد لحظة سأل مروان:
سليم: طيب، في حد بلغ عن الميكروباص ده؟
مروان: آه، صحيح! نسيت أقولك. من حسن الحظ إن في شخص بلغ عن واقعة السطو على الميكروباص بتاعه، وأخدنا أقواله.
سليم اعتدل في قعدته وسأله بسرعة:
سليم: الشخص ده لسه موجود؟
مروان: مش عارف، ممكن يكون مشي. هو اللي أخد أقواله خالد.
أول ما سمع اسم الشخص، قام سليم من مكانه وتحرك بسرعة علشان يشوفه، لكنه لمح راجل من ضهره كان بيتحرك ناحية الخروج، فجرى وراه.
ولما قرب منه، اكتشف إنه فعلًا سواق الميكروباص.
سليم: أنت مش فاكرني؟
السواق بص له كويس، وبعد لحظة افتكره.
السواق: أيوه، صحيح! مش أنت اللي كنت راكب معايا؟ أنت هنا بتعمل إيه؟ هو المجرم ده أذاك؟
سليم: لأ، أنا هنا في شغلي.
السواق استغرب من إجابته.
السواق: شغلك؟
سليم: أيوه، أنا ظابط شرطة هنا، بس ما كانش ينفع أعلن عن شخصيتي وقتها.
السواق: طب لمؤاخذة يا حضرة الظابط، بس أنت إزاي سبتنا في الموقف ده؟
سليم بص له وقال بهدوء:
سليم: ما كانش بمزاجي. للأسف كنت ناسي كل حاجة، وكنت خايف لو اتصرفت في الوقت ده أأذيك، وخصوصًا إنه كان معاه سلاح.
السواق: طيب الحمد لله إنكم لقيتوا الميكروباص. أنا كمان اديت أقوالي كلها لحضرة الظابط خالد. فممكن أمشي؟
سليم: طبعًا، بس ممكن نحتاجك بعد كده علشان تدلي بشهادتك لو قدرنا نوصل للمجرم اللي وقفنا في العربية وقتها أنت فاكر شكله...
سكت سليم لحظة، وبعدها سأله:
سليم: فاكر البنت اللي ركبت العربية آخر واحدة؟
السواق فكر شوية ورد عليه:
السواق: والله يا سعادة الباشا مش فاكر قوي. أنا ما بركزش في ملامح الناس، زي ما أنت شايف، أنا سواق وعلى قد حالي، وبحاول ما يكونش ليا مشاكل مع حد.
أنا شغال على باب الله، وعايز أوكل ولادي بالحلال.
وعلى قد ما بقدر ببعد عن مشاكل السواقين، وأنت عارف المشاكل اللي بينهم. أنا بلتزم بدوري وخلاص.
سليم طبطب على كتفه وقاله:
سليم: على العموم، لو احتجت أي حاجة، اعتبر إن ليك أخ أصغر منك هنا. في أي وقت، أنا موجود.
طلع تليفونه وفتح الأرقام، وبعدها قاله:
سليم: سجل رقمي، ولو احتجت أي حاجة أنا تحت أمرك. بس لو شوفت البنت دي في أي وقت، ابقى اتصل بيا، وحاول تقولي هي نزلت فين بالضبط. على الأقل نطمن عليها ويمكن نوصلنا للمجرم ده...
وبعدها سرح للحظة، وكأنه بيكلم نفسه أكتر ما بيكلم السواق.
سليم: هي بصراحة أنقذت العربية والركاب كلهم... بس أنا عايز أعرف إيه اللي حصل لها بعد كده؟ هي فعلًا كويسة؟ ولا حصل لها حاجة؟
السواق بص له باستغراب من اهتمامه، لكنه رد باحترام:
السواق: حاضر يا سعادة الباشا. أنا مش فاكر ملامحها قوي، لكن لو أخدت بالي منها وركبت معايا في أي وقت، هبلغك.
سليم: تمام، متشكر ليك.
بعدها السواق استأذن ومشي، وسليم رجع مكتبه، لكن تفكيره فضل متعلق بالبنت اللي اختفت من غير ما يعرف عنها أي حاجة.
وعدت الأيام، والمحضر اللي اتقدم ضد المجرم اتسجل ضد مجهول، خصوصًا إن مفيش معلومات كفاية قدرت تساعدهم في الوصول له.
لكن اللي سليم ما كانش يعرفه إن المجرم ده كان تابع للعصابة اللي هو أصلًا كان المفروض رايح في المهمة علشانها!
وللأسف، المهمة دي اتأجلت لشهور، بعد ما ظهرت ضرورة إنهم يبدأوا يجمعوا معلومات وتحريات من جديد، لأن الموضوع ما كانش بسيط، ولا متعلق بمجرم عادي.
دي كانت قضية كبيرة، والتعامل معاها محتاج استعداد وترتيب ومعلومات دقيقة.
وفي الوقت نفسه، كان اللواء مجدي طلب من جميع الضباط الموجودين في القسم إنهم يتجمعوا في اجتماع ضروري، علشان يناقش معاهم موضوع مهم.
