رواية جثة نادية الفصل الثاني بقلم محمود الأمين
العيال اللي لسه داخلين الحجز يا فندم عاملين مشاكل جوه وبيضربوا بعض.
قومت من مكاني واتحركت على الحجز عشان أفهم في إيه بالضبط، وأول ما وصلت طلبت من العسكري يفتح الباب. كانوا نازلين ضرب في بعض فعلاً، ولكن سمعت واحد منهم بيقول لصلاح:
_ لما إنت عارف مين اللي عمل كده، ما تقول للحكومة ونجّينا يا أخي، بدل ما احنا محبوسين كده.
..
لكن بمجرد ما شافوني، الكل سكت ووقف وبصّ في الأرض، فسألتهم:
_ إيه الدوشة اللي إنتوا عاملينها دي؟ وبتضربوا بعض ليه ممكن أعرف؟
رد واحد منهم عليّا وقال:
= يا باشا صلاح عارف كل حاجة، ده هو اللي موصّل البِت نادية لحد الناس الكبار اللي كانت عندهم، وقعدت عندهم شهر وبعدين لقيناها راجعة وماتت في نفس الليلة من غير ما حد يلمسها.
..
طبعًا بعد ما سمعت الكلام ده، أخدت صلاح على المكتب عشان أفهم منه إيه الكلام اللي بيتقال ده.
رجعت المكتب ومعايا صلاح اللي كان خايف، وطلبت منه يتكلم:
_ ها يا صلاح، هتتكلم وتقول اللي عندك على طول ولا هتتعبنا؟
= يا باشا ده كلام فاضي، في أطفال كتير بيجيلهم فرصة العيشة الكريمة وإنهم يسيبوا الزبالة اللي إحنا عايشين فيها، ومستحيل الفرص دي تترفض.
_ والله إنت مش جاي هنا عشان تديني دروس ولا تفهّمني ده بيحصل ولا لأ، أنا عايز أفهم وأعرف مين الناس دي؟.. وهما عرفوا نادية إزاي؟
= اللي أعرفه إنهم شافوا نادية في إشارة المرور، كانت رايحة تبيعلهم مناديل وفُلّ، ولقيت نادية طولت على الشباك بتاع العربية، افتكرت إنه في مشكلة فتقدمت ناحيتهم، ووقتها شوفت راجل محترم لابس بدلة ومعاه ست لابسة لبس غالي، وأول ما شافوني اتكلم الراجل وقال:
****
_ إنت أخوها يا كابتن؟
= مش لْزِم يعني يا باشا، بس كلنا إخوات هنا عدم المؤاخذة.
_ مش فاهم يعني أهلكم فين؟
= لا يا باشا إحنا ما لناش أهل، إحنا أهل بعضنا، كلنا عيلة واحدة مع بعض.
_ عندكم بيت يعني؟ بيتباتوا مع بعض فيه؟
= بيت يصنع من بوقك ربنا يا باشا، لا إحنا بنبات تحت الكوبري. حضرتك عارف كوبري قصر النيل.
..
الراجل سكت وبصّ للست اللي جنبه، والإشارة كانت فتحت فهز دماغه ومشي. لكن على بالليل لقيت الراجل ده جاي تحت الكوبري واتقابلنا من تاني.
عرفت إن اسمه راجح بيه، وطلب مني إنه عاوز نادية تعيش معاه على طول، وده طبعًا في مقابل مبلغ كبير. وعشان العيال ما تسمعش والكل يطلب حقه، أخدته على جنب واتفقت معاه، وأخدت منه ٢٠ ألف جنيه.
ولما بلغت نادية بالكلام كانت خايفة في الأول وبتعيّط، بس أنا فضلت أقنعها إن دول ناس أغنية وهتعيش معاهم عيشة محترمة غير اللي إحنا عايشينها دي.
بس يا باشا… وفعلاً نادية راحت معاه، وزي ما حكيت لحضرتك من شوية، لما رجعت تاني يا دوب شربت معانا من السجارة وماتت.
****
_ إنت عارف يا صلاح، إن نادية ماتت مسمومة، وقبل ما تتكلم عارف إن إنت ما لكش دعوة بقتلها. بس المصيبة إنها كانت حامل قبل ما تتقتل، عارف يعني إيه طفلة عندها 15 سنة حامل؟
= أنا ما ليش دعوة بالحمل ده يا باشا؟
_ هي العلاقة بينكم تحت الكوبري بتوصل للكلام ده يا لا؟ وأوعى تكذب، أنا هعرف كل حاجة فالأحسن ليك تتكلم وبلاش شغل ملوعة.
= هو في الحقيقة مش نادية بس اللي حملت يا باشا، بس معلش إنت بتلومني على إيه؟.. إحنا ما اتولدناش لقينا نفسنا في بيوت، ولا لينا لا أب ولا أم، ما عرفناش يعني إيه الصح ولا الغلط. عرفنا يعني إيه الشارع والذل والمهانة.
_ طيب فكّك من الحبتين دول، عشان أنا عارف إنت هتقول إيه؟.. المبررات اللي عندك أنا ما ليش دعوة بيها. أنا عندي طفلة عندها 15 سنة اتقتلت، وتقرير الطب الشرعي أثبت إنها حامل، وإنت بتقول إن ده كان بيحصل تحت الكوبري عادي. بس أنا قضيتي دلوقتي مش الحمل، أنا عاوز أعرف الراجل ده اللي اسمه راجح ساكن فين؟.. وبلاش تكذب وتقولي مش عارف مكانه.
= لا يا باشا أنا عارف مكانه. بصراحة أنا كنت ناوي أطلب منه فلوس تاني عشان الفلوس اللي معايا خلصت، وعشان كده كنت عارف إنه بيعدي من الإشارة كل يوم وقطرته وعرفت العنوان.
_ طيب جميل جدًا… هات العنوان.
....
بعد ما خلصت كلام مع صلاح كنت مصدوم. كمية القرف اللي كنت حاسس بيها من العيشة اللي عايشينها الأطفال دول، واللي للأسف معظمهم ليهم أهالي، ولكن الأهالي دي قررت تتخلى عن أطفالها عشان بس مش عارفين يصرفوا عليهم، وبيكون مصيرهم تحت الكباري. واللي بيحصل بعد كده إنه مش بيكون لا عيب ولا حرام.
مش عارف هلومّ على مين؟
ما أنا مستحيل هلوم على الأطفال دي.
...
بدأنا نعمل التحريات عن الشخص اللي اسمه راجح، واللي كان ساكن في المعادي، وعرفت إن اسمه راجح شاهين، وعايش هو ومراته في فيلا هناك، ولكن هما بس اللي موجودين من عيلتهم في مصر، وباقي العيلة مسافرة بره مصر من زمان.
مراته اسمها سمر، واللي من التحريات عرفنا إنها حاولت تتبنى طفل أكتر من مرة، ولكن الموضوع بيكون ليه شروط، والشروط دي ولا مرة توافقت مع راجح وسمر. ومن الوضع المادي اللي هما عايشين فيه أقدر أقول إن هما من الطبقة العليا.
طبعًا حصل استدعاء من النيابة لراجح ومدام سمر عشان يتم التحقيق معاهم، وكان اللي بيحقق معاهم معتز عبد العزيز وكيل النائب العام، والأقوال كانت كالتالي:
_ أستاذ راجح، حضرتك من شهر كنت في إشارة مرور قبل كوبري قصر النيل، وهناك شوفت إنت والمدام بنت اسمها نادية إنك تتبناها وتاخدها تعيش معاك. وعرفت وقتها إنها من أطفال الشوارع. ولكن بعد شهر البنت رجعت تاني الشارع، وبعد ساعات قليلة البنت ماتت، وبعد التشريح تم إثبات إنها ماتت مقتولة بسم. فممكن حضرتك تقولي ليه سبتها ترجع للشارع تاني؟
= الكلام اللي بتقوله حضرتك مظبوط. فعلاً البنت دي أنا كنت متبنيها، لكن بعد شهر اكتشفنا إنها حامل. كنا مستغربين جدًا إزاي بنت في سنها تبقى حامل؟
وطبعًا خوّفنا نلبس حوار مش حوارنا، فقررنا إننا نسيبها ترجع للشارع اللي هي جاية منه.
وعشان أخلّص ضميري، سألت دكتور: هو ممكن بنت عندها 15 سنة تحمل؟.. وكانت الإجابة أيوه، ولكن ده هيأثر عليها وهيعمل مضاعفات. وجايز يا فندم يكون حصلها تسمم حمل اللي تسبب في وفاتها.
_ لا يا أستاذ راجح، السم اللي تم استخدامه سم دقيق جدًا، بيعمل هبوط حادّ في الدورة الدموية وبيسبب الوفاة، مش تسمم حمل خالص.
= هو موضوع السم ده أنا ما أعرفش عنه أي حاجة. البنت مشيت من عندنا وكانت صاغ سليم، ولو حضرتك عندك أي دليل إن إحنا اللي عملنا فيها كده تقدر تاخد الإجراء اللي إنت عاوزه.
*****
ما كانش فيه أي دليل يثبت حاجة على اللي اسمه راجح ده.
لكن بعد أربع أيام، لقيت الرائد حسن داخل عليّا وكان عاوز يقول حاجة بس محرج، فطلبت منه يتكلم على طول:
_ في واحد يا فندم عاوز يقابل حضرتك، بس هو في المستشفى؟
= واحد مين؟ ومستشفى إيه؟ مش فاهم!
_ بصراحة يا فندم فريق البحث الجنائي قصّر في التحريات، عشان الشخص ده يبقى أخو الأستاذ راجح، وهو كان عامل حادثة. واضح إنه فاق وقرى عن الحادثة في الجرايد، وطلب إنه عاوز يشوفك بالاسم عشان عنده معلومات مهمة جدًا بخصوص القضية.
= فريق البحث الجنائي قصّر؟! إيه العبث اللي إحنا فيه ده!
عمومًا أنا هروح المستشفى، ولما أرجع نشوف الموضوع ده.
....
ما كنتش فاهم الراجل ده عاوز يقابلني ليه؟.. لكن وصلت المستشفى، وأول ما دخلت سألت عليه وعرفت إنه في أوضة 17، وإنه لسه فايق من غيبوبة.
اتحركت على أوضة 17 ودخلت، كان راجل في الأربعينات من عمره، باين عليه التعب والإرهاق، وأول ما شافني اتكلم وقال:
_ حضرتك كرم بيه؟
= أيوه أنا. حضرتك عندك معلومات في القضية اللي بنحقق فيها دلوقتي؟
_ أنا عندي معلومة هتشقلِب القضية دي تمامًا، بس عاوز حضرتك تسمعني كويس.
= أنا سامعك… اتفضل.
...
لكن فجأة...
