رواية تمرد برائحة المسك الفصل الثامن
بمجرد أن هبطت الطائرة الخاصة في مطار القاهرة كان عاصم شخصاً آخر.
لم يتحدث بكلمة واحدة طوال الرحلة. وجهه تحول إلى قناع من الحجر الصلب، وعيناه كانتا خاليتين من أي تعبير بشري
لاحظت مِسك هذا التغيير المرعب هي تعرفه جيداً، تعرف غضبه الانفجاري، لكن هذا الصمت.. كان ينذر بكارثة.
جلسا معاً في سيارته الفارهة في طريق العودة.
كان عاصم ينظر من النافذة إلى الشوارع لم تتحمل مِسك أكثر فانحنت قليلاً نحوه، وتخلت عن برودها وقالت بصوت هادئ
"عاصم.. في إيه؟ مكالمة طارق كان فيها إيه؟"
لم يلتفت إليها، بل ظل ينظر للخارج وقال بصوت أجوف، لا حياة فيه
"شادي."
عقدت حاجبيها بعدم فهم: "شادي أخوك؟ ماله؟"
التفت إليها ببطء، ونظر في عينيها. كانت عيناه مليئتين بكسرة لم ترها يوماً
همس بمرارة
"الورق اللي عمي هددك بيه من تلات سنين... شادي هو اللي مضاه ومسربهوله
أخويا الصغير اللي ربيته على إيدي، هو اللي طعني في ضهري عشان يطردك من حياتي."
اتسعت حدقتا مِسك بذهول. شادي؟
الشاب الطموح الذي كان عاصم يعتبره ابنه وليس مجرد أخ؟ لم تجد كلمات تواسيه بها، فهذا جرح لا تداويه الحروف.
أوقف عاصم السائق فجأة وقال بصرامة
"نزل البشمهندسة عند بيتها يا حسن.. وبعدها اطلع على قصر الدمنهوري."
فتحت مِسك باب السيارة قبل السائق، وقالت بحسم أربكه
حسن هيكمل على القصر. أنا جاية معاك."
نظر لها عاصم رافضاً
"مِسك، دي مشكلتي أنا، مش عايزك تشوفي الجانب ده من عيلتي."
أمسكت يده السليمة بقوة مفاجئة، وقالت بنبرة لا تقبل النقاش
اللي هددني وطردني أنا كمان لي حق فيه.
مش هسيبك تواجه الخيانة دي لوحدك يا عاصم. لو فاكر إن كبريائي هيمنعني أقف في ضهرك وقت ما تكون مكسور.. تبقى لسه متعرفنيش."
شعر عاصم برجفة في قلبه من لمستها وكلماتها.
في قمة انهياره، كانت هي السند الذي افتقده. أومأ برأسه بصمت وشد على يدها بقوة، ولم يفلتها طوال الطريق.
قصر الدمنهوري (الواحدة ظهراً)
كان القصر هادئاً كعادته.
دخل عاصم ومِسك إلى البهو الرئيسي. كان "شادي" يجلس في الصالون يضحك وهو يتحدث في هاتفه.
بمجرد أن رأى عاصم، أنهى المكالمة ووقف مبتسماً
عاصم! حمدالله على السلامة، غريبة إنك... "
توقفت الكلمات في حلقه عندما رأى "مِسك" تقف خلف عاصم، والأهم.. عندما رأى نظرة عاصم التي كانت تخترق روحه.
تقدم عاصم بخطوات بطيئة ومخيفة.
لم يصرخ، لم يرفع يده ليضرب. توقف أمام شادي مباشرة، وقال بصوت منخفض، هادئ بشكل مرعب
"طارق وصل لأصل الورق اللي كان مع عمك يا شادي. التوقيع بتاعك طلع مطابق."
اصفر وجه شادي بالكامل. تراجع خطوة للخلف، وحاول التظاهر بالغباء بصوت مهزوز
ورق إيه؟ إنت بتقول إيه يا عاصم؟"
"مابحبش تكرار الكلام يا شادي." قاطعه عاصم ببرود، وعيناه لا ترمشان
"ليه؟ ده السؤال الوحيد اللي عايز إجابته قبل ما أرميك برا باب القصر ده."
انهار شادي
علم أنه لا مفر من مواجهة "عاصم الدمنهوري" حين يملك الدليل.
سقطت كل أقنعته، وصاح بانفعال ممزوج بالحقد، ناظراً إلى مِسك
"ليه؟ عشان إنت كنت أعمى! من يوم ما عرفتها وإنت مبقتش شايف حد غيرها! الشركة كانت بتتحول لاسمها، ثقتك كلها بقت فيها.
أنا كنت أخوك، دراعك اليمين، بس إنت همشتني! عمي قالي إن لو هي فضلت، إنت هتكتبلها نص ثروتك ومش هيبقى ليا مكان.
كنت لازم أخرجها من الصورة عشان ترجع عاصم اللي أنا أعرفه!"
كانت مِسك تستمع بذهول لحجم الحقد الذي أعمى الشاب، لكن رد فعل عاصم كان الأكثر صدمة.
لم يغضب عاصم لذكر الأموال أو الشركة. رفع يده المربوطة بالضمادة وأشار ببطء نحو مِسك ثم قال لشادي بصوت يقطر خيبة أمل احترقت في روحه
"لو كنت طلبت نص ثروتي، كنت كتبتهالك الصبح وأنا مبسوط.
لو كنت عايز تدير الشركة، كنت سلمتهالك. بس إنت مطمعتش في فلوس يا شادي... إنت سرقت التلات سنين الوحيدين اللي كان ممكن أعيشهم مرتاح."
اقترب عاصم خطوة وانحنى ليهمس في أذن أخيه بكلمات سُجلت كحكم إعدام
"عاصم اللي إنت تعرفه مات يوم ما إنت مضيت الورق ده. من اللحظة دي..
إنت لا أخويا، ولا ليك مكان في الشركة، ولا في القصر ده. قدامك ساعة تلم هدومك وتختفي من وشي.
لو شفتك في طريقي تاني.. هتعامل معاك زي ما بتعامل مع أي منافس بيحاول يسرقني. هسحقك."
استدار عاصم تاركاً شادي يتهاوى على المقعد خلفه
أمسك بيد مِسك، وخرج بها من القصر دون أن يلتفت للخلف.
بمجرد أن ركبا السيارة، انهار درع عاصم .....
أسند جبهته على عجلة القيادة، وتنفس بصعوبة وكأن الأكسجين قد نُفذ من العالم. لقد خسر عمه، وأخاه، وكبريائه في أقل من 24 ساعة.
نظرت إليه مِسك.
هذا الرجل الذي كان يرهب الجميع، يبدو الآن كطفل ضل طريقه في العاصفة. لم تفكر بكبرياء، ولم تتذكر أي وعيد بانتقام.
رفعت يدها ببطء، ومررت أصابعها بين خصلات شعره الداكن بحنان بالغ، وقالت بصوت دافئ أذاب كل الماضي
"إنت خسرت ناس مكنوش يستاهلوك يا عاصم.. بس أنا هنا. ومِسك مبتهربش
رفع عاصم رأسه ببطء، ونظر في عينيها.
لأول مرة منذ ثلاث سنوات، لم تكن هناك نظرات تحدى ولا غيرة.. بل كان هناك "عشق خالص" ينزف من روحين أرهقهما الكبرياء.
