رواية تمرد برائحة المسك الفصل التاسع
مقر مجموعة الدمنهوري.
كانت غرفة الاجتماعات الكبرى أشبه ببركان يوشك على الانفجار. خبر الحجز على أموال "كمال الدمنهوري" وإقصاء "شادي" المفاجئ من مجلس الإدارة قد تسرب إلى كبار المساهمين، وخلق حالة من الذعر.
جلس "عاصم" على رأس الطاولة الطويلة.. كانت ملامحه حادة كشفرة، وعيناه ترسلان ومضات من الجليد لكل من يجرؤ على التذمر.
تنحنح "فريد بيه"، أحد أقدم المستثمرين، وقال بنبرة تحمل اتهاماً مبطناً
"عاصم بيه.. إحنا بنحترم قراراتك، لكن اللي بيحصل ده انتحار. ضربك لعمك وطردك لأخوك في يوم واحد خلى أسهم الشركة تنزل 4% من الصبح. السوق مابيرحمش الخلافات العائلية، وإحنا فلوسنا في خطر."
تصلب فك عاصم. كان على وشك أن يفتح أبواب الجحيم على الرجل، ليخبره أن من يملك الجرأة على سؤاله سيتم سحقه مع أسهمه، ولكن.. قبل أن ينطق بحرف، فُتح باب الغرفة بثقة أوقفت الأنفاس.
دخلت "مِسك".
وتحمل في يدها جهاز العرض الرقمي لم تنظر إلى عاصم كعاشقة بل تقدمت كقائدة معركة لتقف بجواره تماماً.
وضعت الجهاز على الطاولة، وبضغطة واحدة، ظهرت المخططات الهندسية والتقارير المالية السرية لشركة "كمال الدمنهوري" على الشاشة الضخمة أمام الجميع.
قالت مِسك بصوت قوي، وواثق، أسكت همهمات الحاضرين
"أسهم الشركة منزلتش بسبب خلافات عائلية يا فريد بيه. الأسهم نزلت لإن السوق بيعمل تصحيح لمسار فاسد. اللي قدامكم دي تقارير المناقصات اللي كمال الدمنهوري كان بيديرها من الباطن، وبياخد بيها قروض بضمان اسم مجموعتنا."
مررت الصورة لتظهر تقارير التربة الخاصة بمشروع الساحل
"وده مشروع الساحل اللي كان هيتبني بخامات مضروبة عشان فرق السعر يدخل حسابات سرية في قبرص.
لو عاصم بيه مكنش أخد القرار بوقف المهزلة دي إمبارح.. كنا كلنا هنقف قدام النائب العام بتهمة الاختلاس وتعريض حياة الناس للخطر. قرار الإدارة مكنش انتحار.. قرار الإدارة هو اللي أنقذ رقابكم كلكم."
ساد صمت رهيب في الغرفة. لغة الأرقام والحقائق التي عرضتها مِسك ببراعتها الهندسية والتحليلية كانت قاطعة ابتلع فريد ريقه وتراجع في مقعده صامتاً.
طوال هذا الوقت، لم يكن عاصم ينظر إلى الشاشة.. كان ينظر إليها هي
كان يراقب كيف تدافع عنه بذكاء وشراسة لم يرهما في أحد من قبل
لم تشعر بالتهديد من انهيار سمعته، بل استخدمت عبقريتها لتثبيت دعائم عرشه أمام ألد أعدائه.
في تلك اللحظة، لم يشعر فقط باللامتنان.. بل شعر بـ العشق لهذه المرأة.
أنهى عاصم الاجتماع بكلمة واحدة
"الاجتماع انتهى. اللي خايف على فلوسه يقدر يسحبها دلوقتي، واللي هيفضل.. مسمعش صوته."
خرج الجميع مسرعين، وبقي عاصم ومِسك وحدهما في الغرفة الواسعة.
أغلقت مِسك شاشة العرض، وبدأت في جمع أوراقها بهدوء، متجاهلة نظراته التي كانت تحرق جسدها.
نهض عاصم من مقعده ببطء، واقترب منها. لم يعد هناك ذلك الغرور الأرعن، بل هدوء رجل أدرك أخيراً قيمة الكنز الذي كاد أن يضيعه.
وقف خلفها، ومد يده ليغلق الملف الذي كانت ترتبه، مانعاً إياها من التهرب.
استدارت مِسك لتواجهه، فرأت في عينيه مزيجاً من الإرهاق
و الامتنان، وشغفاً خالصاً بلا أي قيود.
"إنتى ليه عملتي كده؟" سألها بصوت منخفض، يحمل رجاءً لمعرفة ما يدور بقلبها.
نظرت إلى يده المعصوبة بالضمادة، والتي بدأ يتسرب إليها بقعة خفيفة من الدماء بسبب ضغطه على أعصابه، ثم رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء
"لإنك ممكن تكون متسرع، ومغرور، وأحياناً غبي.. بس إنت مش فاسد يا عاصم
ومكنتش هسمح لشوية مستثمرين ينهشوا في لحمك وإنت لسه بتنزف من خيانة أهلك."
مرر عاصم أصابع يده السليمة على خط فكها بحنان أذاب كل خلاياها، وقال بهمس
أنا خسرت كل حاجة إمبارح يا مِسك.. بس وأنا شايفك واقفة قدامهم بتدافعي عني بشراسة حسيت إني كسبت الدنيا كلها
لم تكابر هذه المرة... رفعت يديها الرقيقتين لتُمسك بيده المجروحة بحذر شديد. ومررت إبهامها بخفة ، وقالت وصوتها يرتجف بمشاعر حبيسة لثلاث سنوات
"إنت مخسرتش كل حاجة.. إنت نضفت حياتك. البُنى على أرض نضيفة، أسهل بكتير من ترميم مبنى مليان شروخ."
توقفت الكلمات، ولغة العيون أصبحت هي السائدة.
انحنى عاصم بجذعه نحوها، لم تكن هذه القبلة كقبلة "الإسكندرية" العنيفة المليئة بفرض السيطرة والانتقام. لا.. لقد كانت هذه المرة مختلفة تماماً.
كانت عميقة. وضع جبهته على جبهتها لثوانى يتنفس عبير مسكها وكأنه أكسجين الحياة
ثم تلاقت شفاههما في قبلة تحمل آلاف الاعتذارات، وعقوداً من الولاء. بادلته مِسك القبلة بشغف أذاب كل جليد الماضي
رفعت يديها لتطوق عنقه، بينما لف هو ذراعه حول خصرها، يضمها إليه بقوة رجل وجد وطنه بعد سنوات من التشرد.
فصل القبلة بصعوبة بالغة وهو يلهث، مسنداً جبهته على جبهتها، ومغمضاً عينيه ليحس اللحظة، وهمس بصوت دافئ
"أنا أسف على كل يوم ضاع وإنتى بعيدة عني.. وأوعدك، إن عاصم اللي راجع، هيكون السند اللي تستاهليه، مش السجان اللي يخنقك."
ابتسمت مِسك بعذوبة، ومسحت على صدره برفق قائلة
أنا عارفة.. لإن مِسك القديمة ماتت واللي واقفة قدامك دلوقتي، مش هتقبل بأقل من إنها تكون شريكتك في العرش، مش مجرد ضيفة فيه."
ابتسم عاصم بانتصار حقيقي هذه المرة، وقبل أن يتحدث، قاطعهم صوت رنين هاتفه
عقد حاجبيه، وفتح الخط.
أتاه صوت خبيث... صوت شادي
"لعبتها حلو أوي يا عاصم.. بس لو فاكر إن خروجي من الشركة معناه نهاية اللعبة، تبقى لسه غبي
إنت أخدت الشركة، بس أنا أخدت معايا حاجة هتهد كل اللي إنت ومِسك بتبنوه.. استنى هديتي
وأغلق الخط.
تصلب جسد عاصم مجدداً، ونظرت إليه مِسك بقلق
الحرب مع الغرباء قد انتهت.. ولكن الحرب القذرة مع ذوي القربى، قد بدأت للتو
