رواية مستشفى العباسية الفصل الثاني 2 بقلم محمود الأمين

  


رواية مستشفى العباسية الفصل الثاني بقلم محمود الأمين



لقينا عبد العال، والد مروان، ماسك في إيده جركن بنزين وبيفضيه في الشقة كلها، وعلى الأرض كان فيه اتنين مربوطين وبيصرخوا.. ست في الأربعينات من عمرها وبنت في أوائل العشرينات، وشكل دي مدام صابرين وبنتها.

وأول ما عبد العال شافني اتكلم وقال:
_ اتأخرتوا ليه يا باشا؟.. ده إحنا مستنيينكم من بدري.. أهو على الأقل تلاقوا جثث قبل ما يبقوا شوية رماد.

= سيب الجركن اللي في إيدك ده يا عبد العال، وسلم نفسك، وبلاش تعمل حاجة تندم عليها.

_ الله! ده إنت عارف اسمي أهو يا باشا.. طب كويس، ده أنا طلعت مشهور. وبعدين يا باشا، هو إنت بتتكلم ليه؟.. ما تضرب طلقة كده عشان كلنا نولع، بالصلاة على النبي.

= اللي إنت بتعمله ده آخرته إيه يعني؟!.. ما إنت هتموت، ولو ما نزلتش اللي في إيدك ده وجيت معايا هتموت يا عبد العال.

_ مش هموت لوحدي، ولو حد قربلي هولع فيهم وفي الشقة كلها.

= سلم نفسك، وأوعدك محدش هيقرب منك. إحنا مش جايين نقبض عليك، إحنا جايين نحقق معاك عشان ابنك انتحر في المستشفى.

...

أول ما قولت كده، الشخص اللي كان بيهدد إنه هيولع في الشقة ساب جركن البنزين وانهار من العياط، ودي اللحظة اللي استغلها الرائد سعد كويس، وقرب منه ولوي دراعه ولبسه الكلبشات. وفكينا الست وبنتها، وطلعنا بيه على القسم.

وأول ما وصلنا ودخلته المكتب اتكلم وقال:

_ عاوز أشوف ابني يا باشا.. هو فين؟!

= جثة ابنك بتتشرح دلوقتي. وبعدين إنت جاي تندم على إن ابنك انتحر بسببك، ولا زعلان إنه مات؟!.. كل اللي حصل لابنك بسببك. معاملتك القاسية لأهل بيتك هي اللي وصلت ابنك لكده. ابنك، قبل ما ينتحر، قتل دكتورة في المستشفى، الدكتورة اللي كانت بتعالجه.

وإنت هنا عشان يتحقق معاك،عشان على حسب التحريات اللي عندنا، إنك زورت ابنك في المستشفى الفترة الأخيرة، وبعدها حصلت جريمة القتل اللي ابنك استخدم فيها سكينة، والكل بيقول إنك إنت اللي اديته السكينة دي، يعني إنت شريك معاه في الجريمة يا عبد العال.

_ محصلش.. أنا معملتش حاجة، ومعرفش حاجة عن السكينة دي.

= طيب، كنت بتزور ابنك في المستشفى ليه؟

_ عشان هو ابني يا باشا، إيه المانع إني أزور ابني؟!

= المانع إنك السبب في اللي هو فيه.. ولا حنيت في الفترة الأخيرة وعرفت إنك غلطت في حقه؟.. بس معتقدش اللي شوفته النهارده بيقول إنك متغيرتش، إنت زي ما إنت يا عبد العال. والأحسن ليك تتكلم وتقول اديته السكينة ليه.

...

فضل مصمم على أقواله، وإنه ميعرفش أي حاجة، وعشان كده رميته في الحجز لحد ما يتعرض على النيابة، وهي بقى تشوف إذا كان بريء ولا لأ.

وفي الوقت ده دخل عليا الرائد سعد، وقعد قدامي واتكلم وقال:

_ ممكن حضرتك تفهمني إيه اللي كان موجود في تقرير الطب الشرعي اللي بعتهولك وكيل النيابة؟

= تقرير الطب الشرعي بيأكد إن فيه شبهة جنائية، وإن الموضوع مش مجرد مريض نفسي قتل الدكتورة بتاعته عشان عنده مشكلة عقلية، لأ.. دي حاجة اتعملت بفعل فاعل، والشخص اللي عمل كده فاهم كويس في المخ والأعصاب؛ لأنه قدر يلعب بالفص الجبهي عند المتهم وخلاه يدخل ينفذ الجريمة بدون وعي منه.

_ أنا آسف يا باشا، هو إيه الفص الجبهي ده؟!

= بجد مش عارف يا سعد؟!.. الفص الجبهي ده ذُكر في القرآن الكريم، ولكن بشكل تاني.. تعرف الناصية، وذُكرت في سورة إيه؟

_ الناصية ذُكرت في سورة العلق: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾.

= بالظبط كده. وفي القرآن ده أسلوب بلاغي، وفسر العلماء إن صاحب الناصية يتصف بالكذب والخطيئة. ولكن التفسير العلمي قال إن الناصية هي الفص الجبهي في دماغ الإنسان، وبتكون في الجزء الأمامي، وهي المسؤولة عن القرارات اللي بياخدها الإنسان في حياته، وإنه لو حصل خلل في الفص الجبهي ده، ممكن الشخص يبقى عدواني جدًا، والمشكلة إنه بيبقى كده غصب عنه وبدون وعي منه.

وتقرير الطب الشرعي أثبت إن مروان كان بياخد علاج غلط طول الفترة اللي فاتت، والعلاج ده جابله جلطة في المخ. الجلطة تبان بسيطة، ولكنها عملت مشكلة في الفص الجبهي عند مروان، وبكده مروان بقى عدواني وبيتصرف من غير وعي. وبعدها فيه حد إداله السكينة وهو داخل عند الدكتورة وفاء، وده اللي بيوضح اللي حصل في طريقة القتل، والعدوانية والبشاعة اللي حصلت، سواء في قتل الدكتورة وفاء أو في انتحار مروان نفسه.

وإحنا دلوقتي عاوزين نعرف مين من الدكاترة التلاتة المشتبه فيهم هو اللي عمل كده؟.. معانا تلاتة دكاترة: الدكتور عز، والدكتور أمجد، والدكتور عمرو، ده غير الممرضة اللي اسمها صباح، واللي ما بينهم وما بين الدكتورة وفاء مشاكل، ومش مشاكل عادية. الدكتورة وفاء ماسكة حاجات على الناس دي، ووعدتهم إنها لما تبقى مديرة المستشفى هتكشف فسادهم وتسلمهم للشرطة.

وبيني وبينك، لو اتكلمنا مع الدكاترة مش هنوصل لحاجة، الناس دي فاهمة هي بتعمل إيه كويس، وعشان كده إحنا هنبدأ بصباح.. ممرضة غلبانة، ولو ضغطنا عليها شوية في الكلام هتتكلم وتعترف، وساعتها بقى نشوف مين اللي عملها.

_ أنا قاعد بسمع كلامك يا باشا، وأنا بفكر مين الشيطان اللي عنده التفكير ده! ده مش قاتل، ده عبقري؛ إنه قدر يستخدم بني آدم كأداة جريمة. أنا عمري ما شوفت جريمة كده في حياتي. كل الجرايم بتكون تقليدية وعادي بتحصل، لكن المرة دي أنا مذهول من تفكير القاتل ده.

= مش هنقعد مذهولين كتير.. إحنا لازم نتحرك، ودلوقتي أنا عاوزك تجيبلي اللي اسمها صباح دي، هنحقق معاها بشكل ودي ونعرف منها الحقيقة كلها.

_ تمام يا باشا.. أنا عرفت إنهم بيروحوا الساعة 9 بالليل من المستشفى، وعشان محدش يحس بحاجة هجيبها بعد ما تخرج من هناك.

= الله ينور عليك يا عم سعد، بالظبط كده.

...

كنت قاعد في مكتبي، والساعة كانت داخلة على 10 ونص بالليل، وفي الوقت ده لقيت الرائد سعد داخل عليا المكتب ومعاه صباح، الممرضة اللي طلبت منها تقعد، وكانت خايفة وقلقانة.

_ مالك يا صباح، متوترة ليه؟!.. إحنا هناخد منك كلمتين وهنمشيكي على طول.

= أنا تحت أمرك يا باشا، بس أنا معرفش حاجة، وبعدين أنا طول عمري في حالي.

_ هو أنا لسه سألتك يا بنتي؟!.. ما تهدي كده عشان أعرف أتكلم. أنا عاوز أعرف منك مين اللي كان بيدي العلاج الغلط لمروان اللي قتل الدكتورة وفاء؟

= علاج غلط إيه؟!.. أنا معرفش حاجة.

_ آه.. إحنا كده بنستهبل. أنا عارف إنك تعرفي كل حاجة، وإن كان فيه بينك وبين الدكتورة وفاء مشاكل، وإنك من الشلة اللي اتهددت إنها لما تمسك إدارة المستشفى هتدخل السجن. وأنا لحد دلوقتي معرفش السبب، بس حابب أعرفه، وده عشانك. ويكون في علمك أنا قاعد فاضي، ومستعد أقعدك قدامي 3 أيام، بس صدقيني، إنتِ الخسرانة مش أنا.

ولآخر مرة هسألك.. مين اللي كان بيدي العلاج الغلط لمروان؟

= ممرضة اسمها سماح، وكانت على علاقة بدكتور عمرو.. علاقة مش كويسة يعني، والدكتورة وفاء شافتهم مع بعض وصورت كل حاجة حصلت، وكانت بتهدد الدكتور عمرو بكده.. دي كل حاجة أعرفها.

_ عاوز عنوان الممرضة اللي اسمها سماح، وخلي بالك إنك هتقولي الشهادة دي قدام النيابة، ولو اتغيرت، حسابك هيبقى معايا كبير أوي.

...

أخدنا عنوان الممرضة اللي اسمها سماح، وغلطت غلطة كبيرة إني مخدتش إذن نيابة، ودي حاجة مش قانونية، ولكن كنت عاوز أتكلم الأول بشكل ودي معاها هي كمان.

ورغم إن الوقت متأخر، إلا إني وصلت أنا والرائد سعد لعنوان سماح الممرضة، وده طبعًا بعد ما اتحفظنا على اللي اسمها صباح.

كانت ساكنة في عمارة بسيطة، وكانت في الدور التاني. طلعنا براحة لحد ما وصلنا لباب الشقة، واللي كان موارب، وده غريب؛ عشان على حسب كلام صباح، سماح عايشة لوحدها.

فزقيت الباب براحة ودخلت، وكانت الصدمة، وآخر حاجة كان ممكن أتوقع إني أشوفها، عشان لقيت...


تعليقات