-->

رواية دقات الموت بقلم اروي السيد

رواية دقات الموت بقلم اروي السيد

     الجزء الاول
                         ١-مصطفى

    وقفت انتظر قرابة العشر دقائق واتبادل انا وعامل النظافة الذي يقف على مقربة مني نظرات غريبة ، كان ينظر الي بتمعن لدرجة جعلتني اشعر انه يقرا افكاري
    جاء اخيراً رجل مسن يرتدي مئزره الأبيض ويتجه نحوي قائلا بترحيب
    " مرحبا بك بيننا ، انا الدكتور رأفت ، وانا الطبيب الوحيد الموجود في هذه المستشفى وسأسر كثيرا بوجودك معي "
    قلت له بتعحب
    " وانا الدكتور مصطفى جئت اليك من …"


    قاطع حديثي قائلا
    " نعم ، اعلم ذلك لقد اخبروني عن مجيئك !.. تفضل معي "
    أخذ الدكتور رأفت يسير نحو باب المستشفى فتعجبت قائلا
    " الى أين نحن ذاهبان ؟"
    قال لي
    " سارشدك الى السكن الخاص بك ، فالأطباء المغتربون نوفر لهم سكن ملحق بالمستشفى "
    سرنا بضع مترات بعيدا عن المستشفى وتوقفنا امام مجمع سكني لم يخرج عن سُوَر المستشفى ودلفنا نحوه لأجد انه فارغ تماما وقبل ان انطق بكلمة  قال لي الدكتور رأفت
    " يوجد هنا خمس وعشرون شقة ، اختر ما يناسبك "
    قلت له بعدما عقدت حاجبي من الدهشة
    " أين هم باقي الأطباء ؟"
    قال لي بجدية
    " لقد أخبرتك انني الطبيب الوحيد هنا في هذه المستشفى "
    قلت له بعدم تصديق


    " لقد ظننتك تمزح معي ..على حسب معرفتي ان هذه الواحة وصلها اكثر من خمسة أطباء هذا العام من بينهم الدكتور شريف رئيسي في العمل العام الماضي قبل ان ينتقل الى هنا ، وقد توقعت ان اجده بانتظاري اليوم !"
    لاحظت الارتباك على وجهه قبل ان يقول لي
    " انظر حولك ايها الطبيب ، كل هذه المستشفى الكبيرة الذي تراها لا يوجد فيها سوى عشرة من المرضى النفسيين فقط ، الأطباء ياتون هنا كل عام ، فيفضلون عدم اضاعة وقتهم بين الغربة والسفر من اجل عشرة مرضى فقط ، وهذه الواحة كل اَهلها فقراء ولَم يخرج من بينهم يوما اصحاب المهن الرفيعة كالأطباء النفسيين امثالنا ، أرجو الا تفعل انت هذا ايضا ايها الطبيب وترحل من هنا كما فعل الآخرون !"
    قلت له بعدما دلفنا الى احد الشقق


    " لماذا لم ترحل انت ايضا من هنا كالباقون ؟"
    قال لي وهو يبتسم ويساعدني في حمل حقيبتي وإدخالها
    " لأنني من هنا ، عائلتي واصلي من هنا ، وهنا تربيت وكبرت .. صحيح انني تلقيت تعليمي في المدينة مع الأغنياء  ولكني لم أنسى اصلي كما فعل كثيرون من أهل الواحة "
    اومات برأسي دون معقبا على كلامه قبل ان اساله
    " متى سأبدأ العمل ؟"
    قال لي وهو يتجه نحو باب الشقة
    " صباح يوم الغد ، سأتركك ترتاح الان بالتاكيد انت متعب من عناء السفر "
    خرج الدكتور رأفت واغلق الباب من خلفه
    كان الشقة صغيرة للغاية ولكنها مناسبة لشخص يعيش بمفرده مثلي ، كانت عبارة عن صالة صغيرة وغرفة نوم تحتوي على سريرين فقط بدون أية دواليب او ادراج  وحمام صغير ومطبخ يحتوي على وبور جاز قديم جدا
    ألقيت بنفسي على الفراش ولَم أعبأ بملابسي التي لم ابدلها ،أخذني التفكير حول حديث الدكتور. رأفت طويلا
    كيف هذه المستشفى الكبيرة لا تحتوي سوى على عشرة مرضى فقط !!؟
    اذا كان الدكتور شريف قد غادر الواحة ، اذا الى أين ذهب دون اخبار احد ؟!
    غلبني النوم هذه الليلة سريعا ولَم يترك العنان لمخي للتفكير طويلا ، فبالتأكيد سيكشف لي غدا الكثير .

    " صباح الخير دكتور مصطفى ، هل نمت جيدا ؟"
    قالها الدكتور رأفت بعدما دلف الى مكتبي الذي دلّني عليه عامل النظافة ذو النظرات المريبة ويبدو انه ايضا العامل الوحيد في هذه المستشفى
    قلت له
    " نعم ، لقد اخذت راحتي من النوم بما فيه الكفاية "
    قال الدكتور رأفت بحماس
    " اذا هل انت مستعدا لمقابلة المرضى والتعرف عليهم "
    وقفت ثم قلت له بحماس اكبر
    " بالطبع !"
    نزلنا عن طريق الدرج الى الطابق الأسفل حيث كان المصعد معطلا فوجدت امامي غرف كثيرة متراصة بجانب بعضها ، قبل ان يقول الدكتور رأفت موضحا
    " هذا الطابق هو الخاص بغرف المرضى العشرة "
    قلت له بذهول


    " قبل ان تأتي الى المستشفى صعدت الى الطابق الذي يعلو الطابق الخاص بمكاتب الأطباء وجدت العديد من الغرف الاخرى ، أهي لا يسكنها احد ؟"
    قال لي
    " نعم ، انها فارغة تماما ، وتقريبا لا يصعد الى ذلك الدور سوى الطباخ لان المطبخ الذي يعد فيه الطعام للمرضى موجودا هناك "
    اومات برأسي قبل ان يقول لي وهو يتجه نحو احد الأبواب المغلقة
    " تعال معي ، سأعرفك على اول المرضى ،  اسمه دكرور انه يمر بصدمة نفسية حادة بعدما غرقت كل عائلته في احد السفن المهاجرة وبقي هو وحيدا يهذي طوال الوقت وانتهى به المطاف هنا   "


    ولَم يكد باب الغرفة يفتح حتى تسللت الى انفي رائحة نتنه كرائحة المقابر او البلاعات ، انه شئ من هذا القبيل
    همس لي الدكتور رأفت قائلا
    " نسيت ان اخبرك ، حاول الا تتذمر من رائحته ، فهو لديه فوبيا من الماء ولَم يغتسل تقريبا منذ أعوام !"
    كدت اتقيأ من تلك الرائحة التي أصابتني بدوار عنيف ، ولكني حاولت استجماع شتات نفسي وانا أسد انفي بيدي على صوت الدكتور رأفت الذي قال
    " دكرور ، دعني أعرفك على طبيبنا الجديد ، انه الطبيب مصطفى سيكون معنا من اليوم "
    نظر الي دكرور والنار تشتعل في عينه حيث كنت معتادا على تلك النظرات
    " انت الطبيب الجديد ، سترحل ما رحل الباقون !"
    قلت له


    " لا تخف لن ارحل ، سابقى معكم هنا !"
    قهقه بيوت عالي قبل ان يقول
    " سترحل ، اقسم لك انك سترحل الى حيث لا يكون البشر مستيقظون "
    انسحب الدكتور رأفت من بيننا قبل ان اقول لدكرور
    " أتقصد الموت ؟.. بالتاكيد جميعنا سنموت في يوم من الأيام "
    لم يجبني دكرور فقلت له محاولا لفت انتباهه بأنني موجود بعدما عاد يحدث نفسه مجددا
    " هلا أخبرتني عن نفسك ، ما رايك ان نصبح صديقين ؟"
    قال بغضب
    " انا لا أصاحب الوحوش البيضاء !"
    قلت له بتعحب مما قاله
    " ولكني لست وحشا "


    قال وهو يحدق في عيني
    " بلا ، انت وحشا ومكانك الحقيقي ليس هنا ، لا تقلق قريبا ستذهب هناك "
    قلت له بشئ من الخوف
    " الى أين ؟"
    أخذ يضحك طويلا بدون توقف ثم بدا يحطم ويكسر كل شئ حوله اقتربت منه وأمسكت بيده بقوة رغم انني كدت اموت من الرائحة ، اخذت اصرخ على الدكتور رأفت حتى جاء وأمسكه هو الاخر وبمجرد ان قال له ان يهدأ ، انصاع دكرور لأمره دون أية اعتراض وعاد يجلس على فراشة يأكل أظافره ويهذي بكلام لا معنى له !


    الدكتور رأفت كان معهم منذ زمن وبالتاكيد هم يعرفونه ويحبونه ويثقون به هذا شئ لم يثر خوفي
    حتى كرههم الشديد لي لم يثر ايضا خوفي
    لماذا الجميع يقسم انني وحشا وسأموت قريبا ؟….هذا حقا ما اثار خوفي !

    بدأت نظرات كل من في هذه المستشفى تتغير حتى الدكتور رأفت الذي بدأت اخاف من تصرفاته وحديثه معي ، حتى الطباخ الذي كان لا يتحدث معي بتاتا بدا يرسل لي يوميا طعام  وقت الغداء كما انه يوميا كان يرسل لي فنجانا من القهوة
    حالتي بدأت تتدهور يوما بعد يوم بدأت ارى امامي خيالات تتحرك من بعيد لا اعرف مصدرها
    تلك الشقة التي كنت اسكن فيها ايضا لم تكن على مايرام ، كنت اسمع أصوات طبول قادمة من جهة غرفة النوم
    كنت لتجمد مكاني في لحظات حتى تجرأت مرة ودخلت الى الغرفة بحثت فيها بعيني ولَم اجد احدا ، دلفت الى الداخل لأرى تلك المرآة المعلقة على الجدار اقتربت منها فرأيت ذلك المشهد الذي حرك كل خلية في جسدي


    احدهم يقف ينظر للمرأة يعدل من هيئة مئزره الأبيض
    ماذا ؟..التفت خلفي فلم اجد احد !
    عدت انظر للمرآة مجددا فوجدته ، كانت ملامحه غير واضحة تماما ولكني رأيت ابتسامته ، لقد كان يبتسم لي !
    اندفعت نحو الفراش وغطيت راسي وانا ارتجف من شدة الخوف
    في اليوم التالي لم يكن اي شئ على مايرام
    فنجان قهوة من يد الطباخ قررت الا اشربه
    احاديث دكرور عن الموت .. عن موتي انا بالذات
    نظرات الدكتور رأفت وعامل النظافة الغير مطمئنة
    وأخيرا تلك المرآة ..!


    عندما سمعت دقات الطبول هذه المرة ترددت في الذهاب نحو المرآة مجددا حيث كان الصوت يختفي فور وقوفي أمامها
    ولكن قدماي لا تطاوعني على الوقوف ، ارها تمضي الى الامام دون رغبة مني ، حتى استقرت امام المرآة
    هذه المرة رأيت مشهدا مروعا
    لقد كان هو نفس الطبيب بمئزره الأبيض ولكنه كان ملقى على الارض كان يتأوه وحوله مجموعة كبيرة من الأشخاص يجرونه الى الخارج
    نظرت خلفي في هلع ولَم اجد شيئا
    هذه المرة لم تكن هلوسات ، هذه المرة لم اشرب قهوة الطباخ الذي توقعت ان تكون داخلها مادة تجعلني ارى هذه الهلوسات
    هذه المرة شعرت ولو كان كل شئ حقيقيا !


    في اليوم الذي يليه كنت خائفا من العودة الى الشقة ولَم اكن اثق في احد حتى اخبره بما ارى ، قررت ان أقضي هذه الليلة بعيدا عن الشقة والمرآة وكل شئ
    ولكني تفاجئت بإصرار الدكتور رأفت الشديدة على مغادرتي المستشفى
    رغبته المستميتة هذه لم تجعلني اصر كثيرا على بقائي ، خرجت من المستشفى ووقفت على مقربة منها ولَم أعد الى السكن انتظرت حتى يخرج من المستشفى لأعود انا الى الداخل ولكنه لم يفعل ، أوشك الليل ان ينتهي ولكنه لم يفعل
    لم اكن اعلم ان الدكتور رأفت يبيت في المستشفى !!....
    وفجأءة سمعت صوت الطبول مجددا وهذه المرة كانت قريبه جدا من المستشفى
    هذا يعني ان صوت الطبول التي اسمعها كل يوم كانت تأتي من داخل المستشفى !!!!
    ما الذي اهذي به الان ؟


    انا لا اهذي هذه حقيقة وعلي ان ادخل الان الى المستشفى لأرى ماذا يحدث !
    وجدت الباب الرئيسي شبه مغلق فدلفت الى الداخل وركضت ابحث كالمجنون عن صوت الطبول ولكني لم اجد أية احد في المستشفى ، جميعهم اختفوا فجاءة !
    لم اجد اي من المرضى ولا حتى الطباخ او عامل النظافة او حتى الدكتور رأفت ، رغم انني لم ارى أية احد قد خرج من باب المستشفى الذي كنت واقفا أراقبه منذ دقائق
    ما هذا الجنون ؟؟
    تذكرت سريعا الباب الخلفي الذي يطل على فناة المستشفى ، ركضت نحوه مسرعا وخرجت بحذر شديد حيث توقف صوت الطبول فجاءة ورايت امامي مشهدا جعلتي اتصلب في مكاني


    لقد كانو جميعهم هناك .. شعلة كبيرة من النار وسط الفناء وهم يلتفون حولها ويرددون كلمات غير مفهومة
    كان ثلاثة من المرضى يحملون الطبول والدكتور رأفت والطباخ وعامل النظافة يمسكون بعصيان تلتهب النار من فوقها وكذلك ايضا باقي المرضى
    مالذي يحدث امامي الان ؟
    ارجوك يا الله اخبرني انني الان احلم !
    ولكني لا احلم .. كلمة الخوف في لحظة كهذه كلمة بسيطة لا اساس لها من الصحة
    أصابني برد شديد جمد أطرافي ، دقات قلبي لا تتوقف .. العرق يتصبب من جبيني ولا اعلم ان كان هناك شيئا اخر قد بدا يتصبب هو الاخر !
    هذه اللحظة كافيه لتجعلني اصاب بالجنون بقية حياتي
    بدأت طبولهم تدق من جديد ولكن دقات قلبي كانت الأعلى في هذه اللحظة


    ارتفع صوت الدكتور رأفت وهو يهلل بينهم ليحمس الجميع ويبدأو بالتهليل
    " هللوا لملاك الارض من تحتها ، هم من سيعطونكم الأمان !"
    ارتفعت اصواتهم جميعهم من بعده وهم يقولون
    " اللعنة على الشياطين البيضاء … اللعنه على الشياطين البيضاء "
    ماذا ؟.. أين سمعت هذه الكلمة من قبل
    انها نفس الكلمة التي قالها لي دكرور في اول يوم لي في العمل !
    من هؤلاء المجانين ؟.. أين وقعت انا يا ربي ؟!!
    عدت اركض من جديد ، اركض بلا توقف ، اركض بطريقة جعلتني اندهش من سرعتي التي لم اعهدها
    وصلت الى السكن الملحق بالمستشفى ومازال صوت الطبول يدوي
    لملمت أغراضي سريعا قبل ان المح في المرآة ذلك الرجل مجددا ذو المئزر الأبيض ، لقد كان في نفس هيئته الذي رايتها عليه ليلة أمس


    لقد كان ملقى على الارض يصرخ ويتألم وحوله نفس ذلك العدد من الأشخاص يحاولون ربطه وتكتيفه ولكن اليوم بدت لي الصورة أوضح مما كانت عليه
    لقد كانوا جميعا بملامح واضحا
    انهم العشرة مجانين ومعهم الدكتور رأفت والخادم والطباخ
    من هذا الذي يجرونه ؟.. ولماذا فعلوا به هكذا ؟؟
    فجاءة بدا يصرخ ذو المئزر الأبيض قائلا لي
    " اهرب يا مصطفى … اهرب يا مصطفى !"
    انه الدكتور شريف !!!!!!
    هذا يعني انه لم يرحل من هنا كما اخبرني الدكتور رأفت ، وان هؤلاء الثلاثة عشر المجانين هم من قتلوه

    استطعت ان ارى ملامحه هو الاخر قبل ان يختفي كل شئ في لمح البصر مع صوت اختفاء دقات الطبول
    حملت حقيبتي دون ان اعلم ماذا وضعت فيها وما الذي لم اخذه
    اندفعت راكضا نحو الباب وخرجت من الشقة ثم من السكن ثم وجدت امامي الثلاثة عشر مجانين ، حاصروني في كل مكان ، نظراتهم تكاد تلتهمني
    الدكتور رأفت يحمل في يده حبل مثل الذي كان مربوط به الدكتور شريف
    وانا واقفا
    خائفا
    ارتجف
    قبل ان تبدأ بقعة سوداء بالاتساع امام عيني وبعدها لم اشعر بنفسي !!.

                  الجزء الثاني من هنا

    إرسال تعليق