Ads by Google X
رواية البوص كاملة بقلم الكاتبة يمنى عبد المنعم -->

رواية البوص كاملة بقلم الكاتبة يمنى عبد المنعم

رواية البوص كاملة بقلم الكاتبة يمنى عبد المنعم



    الفصل الأول:- القاسي والهاربة
    أحياناً يود البعض منا الهرب من حياته إلى حياة أخرى يريد العيش بها دون مشاكل تذكر، لكن هل دائماً الهروب هو الحل الصحيح والوحيد لكل مشاكل حياتنا التي نحياها.
    هل إذا تحقق الهرب بالفعل... هل سنجد ما نتمناه في أنفسنا من طموحات وأحلام بنيناها في خيالنا الواسع الذي ليس له حدود...
    هل سنجد آمالنا التي نسعى إليها دائماً نحو مستقبل مجهول... لا نعلم عنه شيئاً سوى أننا نعيشه فقط على أمل أن تتحقق هذه الأماني.
    وهذا ما سنكتشفه في حكايتنا هذه، التي سأعرضها عليكم من خلال أحرف وكلمات أخطها إليكم من جديد في عالم مريض بالصراعات الداخلية والخارجية معاً...
    والتي سنعرف من خلالها ما مدى تأثير ومصير كل من يهرب من حياته التي كان يحياها ويلقي بنفسه نحو مستقبلٍ مجهول.
    جلس في مقعده داخل مقر عمله او بالمعنى الاصح في مقر عصابته الذى يدير منه كل عملياته الخطيرة شارد الذهن، غامضاً، لا يعلم المحيطين به بأي شيء يفكر.
    فهو صاحب العقل المدبر لكل شيءٍ حوله يديره، لا يستطيع أحداً مخالفة أي أمر من أوامره.
    ولِمَ لا وهو البوص سليم الأنصاري... الخبيث والداهية الذي لا ترجع كلمته أبداً... وإذا صمم على شيئاً وأصر عليه يُنفذ بدون أدنى نقاش... ولا يدري أي شخص من أعوانه الذين يعملون لديه ولا من المحيطين به بأي شيء يفكر فهو الغامض المجهول بالنسبة لهم.
    أو من الأشخاص الذين يعرفونه عن قرب.... فهيبته وحدها كافية إلى عدم معارضته، بأي طريقة تذكر.
    دخل عليه مساعده الخاص يقف أمامه متردداً بعد أن قرع الباب يقول له بهدوء حذر: العملية هتم النهاردة بالليل ان شاء الله يا بوص.
    زفر بغموض ثم ترك الأوراق التي كانت بين يديه، أمامه على مكتبه، رافعاً بصره ومتفحصاً ذلك الرجل الذي يقف أمامه باحترام وخوف شديد.
    قائلاً بهدوء شديد: عظيم... الساعة كام بالظبط...؟








    رد إبراهيم بحذر: النهاردة الساعة واحده بالليل، وكل حاجه تمام وجاهزة تحت التنفيذ وبانتظار أي امر منك.
    عاد بظهره مستنداً إلى مسند مقعده، مشعلاً سيجاره الغليظ بشرود واضعاً قدمه فوق الأخرى.
    قائلاً له بلهجة آمره: تمام خليكم مفتحين عينيكم كويس أوي، انتوا عارفين إن الحكومة مش سيبانا في حالنا اليومين دول، وعينيها مفتحه علينا وعلى شغلنا طول الوقت.
    فقال له ابراهيم بثقة: متقلقش يا بوص كله هيبقى تمام ان شاء الله....
    نفث سليم دخان سيجاره في الهواء بغرور.
    قائلا له بصرامة: خلاص روح شوف شغلك إنت.... وابعتلي السواق بتاعي ضروري، علشان خارج دلوقتي.
    انصرف ابراهيم من أمامه، ينفذ ما طلبه منه البوص، ثم هب من فوق مقعده ليجهز نفسه للانصراف.
    وصل البوص بسيارته الفارهة الى مكان ما لقابلة أحد الاشخاص عندما لمحه ذلك الشخص نهض من مكانه على الفور لاستقباله وهو يمد يده لمصافحته.
    قائلاً له بترحاب شديد: اهلاً بالبوص من زمان مجتش بنفسك للكلام معايا.
    صافحه وهو يجلس مبتسما برزانة أمامه حول مائدة صغيرة ذات مقعدين قائلاً بهدوء: وأنا علشان عايز أشوفك جيت بنفسي المرادي، ابتسم هذا الشخص قائلا له بهدوء: طب تحب تشرب إيـه الاول وبعدين نتكلم.
    زفر مفكراً بقوله ثم استرعى انتباهه شيئاً ما في نفس المكان، فأجابه سريعاً بغموض: فنجان قهوة سادة... صامتاً بعدها برهةً مردفاً بخفوت: لأن واضح كده ان هشربها على روح حد النهاردة.
    اندهش الرجل قائلاً بتردد: قلت حاجه تانية غير القهوة، هز سليم رأسه بالنفي قائلاً بجدية:- لأ مقلتش بس بسرعة علشان مستعجل ومعنديش وقت.
    اومأ الرجل برأسه ملبياً طلبه سريعاً، بعد حوالي ساعتين طلب سليم من سائقه وبعض رجاله أن يتركوه بمفرده في هذا التوقيت.
    إلى أن يتصل بهم ويُبلغهم بالتعليمات الجديدة وقتما يشاء، وصل في المساء إلى إحدى البنايات متطلعاً إليها من الخارج بعيون ثاقبة كالصقر.
    وهو يترجل من عربته، تقدم بخطواتٍ سريعة صوب البناية، صاعداً الطابق الثالث بالمصعد الكهربائي.
    توقف أمام إحدى الشقق، ضاغطاً فوق جرس الباب، دون أن يرفع يده من فوقه... إلى أن فُتح الباب وظهرت امرأة في منتصف الثلاثينيات من العمر.... مشعثه الشعر والمظهر.
    فثيابها قصيرة عند الركبتين غير مهندمة... وذراعيها مكشوفتين في تبرج سافر لأدنى حد.
    تقف على بُعد نصف متر بالقرب منه في الداخل، والتي ما أن رفعت بصرها إليه حتى جحظت عيناها عن محجريهما بصدمةٍ عنيفة لم تتوقعها يوماً أن تحدث لها، واصفر وجهها بشدة.
    قائلة بفزع متلعثم:- ســـ... ســـ... سليم...!!!
    في مكان ما آخر في هدأت الليل... كانت هناك فتاةٍ رقيقة ذات جسد نحيل بعض الشيء... تتسارع أنفاسها بحده وهى تركض وسط قلق وفزع تشعران بهما... مسرعة عبر الطرقات المجهولة والمختلفة لديها.
    وقفت مكانها دون حراك... تلتقط أنفاسها اللاهثة من أثر جريها السريع هذا، تلفتت يميناً ويساراً ببصرها الزائغ خوفاً من وجود أحدهم يريد اللحاق بها.
    ظلت تشعر بهذا الإحساس الموحش... إلى أن انسالت دموعها الغزيرة باكية تملئان وجنتيها، من هول ما رأته في حياتها من ألمٍ وبالأخص الأيام الماضية التي عاشتها في منزلها.
    تذكرت ابنة عمها فريدة التي تربت معها منذ الصغر بسبب وفاة والديها مبكراً في حادث مروع... كان من حُسن حظها أنها لم تكن معهم في ذلك اليوم.... لهذا نجت منه بلطف من الله بها.
    فقد ساعدتها هذه الأخيرة في الهروب من المنزل قائلة لها بحنان وتأثر: خلى بالك من نفسك كويس أوي واول ما تستقري في مكان معين ابقى اتصلي بيه وطمنيني عليكِ ضروري إوعي تنسي يا ملك.
    تأملتها ملك بأعينٌ دامعة وأمسكت بيديها مودعة إياها قائلة بصوتٍ موجوع : حاضر يا فريدة هطمنك عليه أول بأول، رغم إنى مش عارفه طريقى مودينى على فين.
    حدقت بها بتأثر تام قائلة لها بعطف: عارفه يا ملك انك دلوقتي زى التايهة بالظبط.... علشان كده بقولك خلي بالك من نفسك كويس أوي، وأكيد إنتٍ عارفه إن أخوكِ مش هيسكت بعد هروبك ده وفي وقت متأخر كمان.
    تنهدت ملك بأسى متذكرة قسوته عليها طوال الفترة الأخيرة الماضية قائلة لها بحنين إليه: عارفه يا فريدة انه هيقلب الدنيا علشاني، بس ابقي خلى بالك منه كويس علشان خاطري أنا.
    زفرت فريدة شاعرة بألم حبه داخل قلبها المجروح بسببه قائلة بخفوت: متقلقيش يا ملك انتِ عارفه انا بحبه أد إيه بالرغم من قسوته عليه طول الوقت.
    تأملتها ملك بحيرةٍ متسائلة بداخلها، عن هذه المعاملة العنيفة الذي دائماً ما يعامل بها فريدة، منذ وإن كانت طفلة ولا تعرف ما التفسير لكل ذلك.
    قائلة لها بأسى: معلش يا فريدة، بردو متتخليش عنه مهما كان هوه بردو بيحبك بالرغم من قسوته الجامدة عليكِ.
    صمتت ملك برهةً كأنها تذكرت موقفاً ما وأردفت بعدها تقول بحنان: انتِ ناسية يوم الحادثة اللى حصلتلك من تلات سنين كان هيتجنن عليكِ ازاى.... وما ارتحشي غير لما جبلك حقك وقتها ودخل السواق السجن كمان.
    على الفور ترقرقت الدموع بمقلتيها الأليمة قائلة لها بيأس: فاكرة كل ده ومش بنساه أبداً.... وده اللي دايماً بيصبرنى عليه لغاية دلوقتى ومش ناسيه يومها هوه اللي انقذني ونجانى من الموت ساعتها.
    ابتسمت لها الأولى بأمل قائلة لها بلهفة: يبقى أنا خلاص كده اطمنت على عاصي، طالما ده شعورك ناحيته، يبقى متزعليش منه وخلي بالك منه وعينيكِ دايماً عليه متغيبش وهديه من ناحيتي دايماً....وانا أول ما هستقر في مكان هبلغك أكيد.








    اومأت فريدة برأسها بالموافقة قائلة بلهفة: خلاص اتفقنا، أنا همشى دلوقتي، قبل ما ياخد باله ويقلب الدنيا عليكِ وعليه هوه مش عبيط بردو.
    فقالت لها بنفس اللهجة: اتفقنا امشي بسرعة بقى وخلى بالك من نفسك ومنه وانا هبقى على اتصال بيكِ على طول.
    كل هذا كانت تتذكره الأخيرة، أثناء سيرها المُجهد من كثرة المشي دون أن تعرف ولا تدري إلى أين ستأخذها قدميها في هذا الوقت المتأخر من الليل.
    وصلت فريدة أمام المنزل وهي تلتفت حول نفسها ويميناً ويساراً خشيةً من استيقاظه الآن ويكتشف حقيقة الأمر.
    دخلت من الباب الخلفي للمنزل متسلله، بخطواتها البطيئة والمرتبكة قائلة لنفسها بقلق: ياريت يكون نايم فعلاً وميشوفنيش، انا عارفاه كويس مش هيسكت إن حس بأي حاجه غلط.
    اتجهت إلى الدرج الداخلي بالمنزل، بنفس الهدوء الشديد وهي تخلع حذائها ثم أمسكته بيدها وسارت حافية القدمين، خطت بخطواتها البطيئة واعتلت درجات السُلم كي تصعد باضطراب نحو غرفتها.
    ما أن توقفت أمام باب حُجرتها ووضعت الحذاء بالأرض وهي تتسلل هكذا برعب مميت، جاءت لتمد كفها نحو مقبض الباب.... حتى فوجئت بمن يضع قبضته القوية على كتفها الأيمن بمنتهى القسوة.
    قائلا بغضب عارم: فريدة.... كنتِ فين لدلوقتي...!!! برقت عيناها بذعر فانتقل شعورها هذا إلى داخل قلبها وارتعد بهلع شديد... متيبسةً فى مكانها من هول صدمتها.
    قائله له بصوتٍ خائف: كنت.....كنت...... في المطبخ.
    سحبها من كتفها بعنف وأدارها نحوه كي يواجهها قائلاً لها بصوتٍ جهوري: والله وكنتِ بتعملي إيه في المطبخ الساعة اتنين بالليل بتطبخي.
    ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة شاعرةً بألم مكان قبضته على كتفها... تحاملت على نفسها قائلة له بتلعثم: آه .... لأ.. لأ كنت... كنت بعمل قهوة أصل... أصل... مكنش جايلي نوم فقلت أسهر وأذاكر بالمرة.
    جذبها بقسوة ناحيته وقرب وجهه من وجهها شاعرةً بأنفاسه القوية على قسمات وجهها، وأنه سيخترق بعينيه الحادتين قلبها فلذلك ارتعد بين جنبات صدرها.
    هامساً أمامه بصوتٍ مخيف: والله يعني كنتِ بتشربي قهوة دلوقتي مش كده، ازدردت لعابها بسرعة، كي تدافع عن نفسها قائلة بتوتر: طبعاً... طبعاً يا أبيه وأنا هكدب ليه يعني.
    زفر بحرارة قوية أمام وجهها متفحصاً محياها الرقيق... بنظراته الحادة قائلاً بتهديد: انتِ عارفه يا فريدة ما تكونى بتكدبي عليه ليكون يومك اسود معايا، ومش معدي على خير أبداً وانتِ أكيد عارفه كده كويس أوي.
    ازدادت دقات قلبها برهبةً شديدة من تهديداته الصريحة لها قائلة باضطراب: عارفه... عارفه طبعاً يا أبيه، وصدقني أنا عمري ما كدبت ولا أقدر أعملها، طب وهكدب ليه يعني..
    تنهد بحرارة ثم أزاحها بقوة أمام باب غرفتها حتى التصقت به قائلاً لها بعصبية: طب يالا ادخلي إوضتك بسرعة.
    أسرعت بفتح باب غرفتها فى ذعر وارتباك، دخلت وقلبها ينبض بعنف وأغلقته خلفها سريعاً خشيةً من اكتشافه للحقيقة... ثم ألقت بنفسها على فراشها متدثرة بغطاء، كأنها تختبأ منه خوفاً من معرفة كل ما حدث الليلة دون علمه.
    لم يجيبها سليم مثلما توقعت بل وضع قبضته العنيفة على شعرها بقسوة حتى كاد أن يقتلعه من جذوره، دون أن يُمهلها الوقت لتصرخ وتستغيث بأحد ما.
    جرها منه خلفه بقوة كالشاة التي يتم زبحُها وسلخُها بعيد الأضحى صائحة بألم شديد: حرام عليك يا سليم متعملش فيه كده.
    لم يرد عليها إنما زاد من ضغطه الشديد على شعرها، وهو يهبط بها الدرج، وتعثرت قدميها عدة مرات دون أن يرق لحالها ولا يأبى لمعاناتها.
    جامد الوجه، غاضب وغامض الملامح لا تدري بأي شيءٍ يشرد بصمته المميت هذا، إلى أن وصل بها بالقرب من سيارته وفتح بابها القريب منه... وزجها بقسوة داخلها، شاعرة بأن كل أضلاع جسدها ستنكسر حالاً.
    صرخت بوجع رغماً عنها:- متعاقبنيش يا سليم خلاص حرمت ....حرمت آخر مرة متعملش فيه كده.
    شردت ملك بذهنها طويلاً.... أثناء سيرها البطيء هذا بسبب تعبها وارهاقها من طول المسافة التي مشيتها ولا تعلم إلى أين ستأخذها قدميها.... وصلت بها أخيراً إلى مكان لا تعرفه ولم تراه من قبل.
    ورغم ذلك لم تتوقف، إلا عندما تناهى إلى سمعها صوت صريرعربةٍ قوية آتيه من وراءها... بسرعة فائقة.
    أسرعت الخطى واختبأت خلف إحدى البنايات.... وقلبها ينتفض بشدة من الخوف... شاعرةً برعب كبير في هذا الوقت المتأخر من الليل.








    ازدادت نبضاته من الهلع أكثر وأكثر... عندما لمحت سيارةً أخرى غامقة اللون تقف أمام العربة الأولى.... توقفت ملك بمكانها تراقبهم باضطراب وذعر.
    وسيارةً ثالثة قد حضرت هي الاخرى بعدها بثوانٍ قليلة.... لكنها مختلفة عن الذين قد أتوا من قبلها....
    حيث أنها عربة على أحدثٍ طراز، باهظة الثمن من حيث شكلها الفخم وامكانياتها العالية..... والتي لم تراها من قبل إلا نادراً عبر التلفاز أو الأنترنت.
    انتفض قلبها وهي تراقب هذه السيارة الأخيرة بالذات ولا تعلم لماذا... فقد رأت سائقها يهبط منها متجهاً إلى الباب الخلفي بسرعة ثم فتحه على عجل منه خشيةً من صاحب العربة.
    ترجل منها شخص ما طويل القامة..... ذو مهابةً كبيرة لم تراها من قبل في حياتها، ثم لمحت ملك من مكانها قدميه الذى وضعها للتو على الأرض، واقفاً برزانة وجدية يغلق زر حلته الأنيقة.
    ارتفعت ببصرها ببطء إلى جسده الطويل... في خوف وهلع، بلعت ريقها بصعوبة.... وهي تتأمله مختلجاً قلبها داخل أضلاعها وهي لا تتدري لماذا تشعر بذلك... دون أن تتبين محياه بالتفصيل في هذا الظلام الحالك من مكانها.
    فقد رأت طوله فقط بالتحديد، على ضوء العربات الثلاث.... سار عدة خطوات ثابتة تدل على شخصية صاحبها المهيبة ثم توقف بكبرياء.
    متأملاً أحد الأشخاص أمامه قائلاً له بهدوء: جهزت المطلوب منك اومأ الرجل برأسه بالموافقة قائلاً بلهفة واحترام: طبعاً يا بوص تحب تطمن بنفسك.
    ارتفع جانب شفتيه مبتسماً بسخرية قائلاً بنبرة خبيثة: طبعا أنت عارف كويس أوي أنا ما بثقش فى أى حد وخلاص.
    خشي الرجل من تلميحاته في كلماته الأخيرة، فجف حلقه قائلاً له بارتباك: طبعاً... طبعاً... عارف يا بوص.
    اتجه البوص إلى حقيبة كبيرة سوداء اللون مليئةً بالنقود وفتحها بنفسه فلما.... رآها وتأكد من وجودها بداخلها.
    ابتسم باستهزاء.... فتوتر الرجل أكثر من نظرات البوص، قائلاً له بتردد: اطمنت دلوقتي يا بوص.....!!!
    هز رأسه بالموافقة وأشار لأحد رجاله بحمل الحقيبةَ من أمامه، اتسعت عينا ملك بفزع شديد في هذه اللحظة عن محجريهما، اختلج قلبها بخوف، وذعر.... وهى تشاهد كل هذا يحدث أمامها كأنها دخلت إلى عالم الجريمة بإرادتها بالرغم من أنه العكس...
    قائله لنفسها برعب: يا وقعتك السودة يا ملك... عصابة تهريب مرة واحده، ده عاصي كان أرحم بكتير من اللى أنا فيه دلوقتي....ده لو أى حد لمحني منهم بس.... أكيد هيقتلونى على طول وبدون رحمة.
    تجمع بعض الرجال من الطرفين واطمئنوا للبضاعة الذين أتوا بها رجال البوص.... ووضعوها أمامه ثم عاد رجاله إلى سيارتهم بسرعه بناء على أوامره.
    وقف البوص ينظر إلى رئيس العصابة الاخرى بنظراتٍ غامضة وهو يشعل سيجاره في غرور في وجه الأول، فارتبك الرجل للحظات وهو يسعل من أثر الدخان الذي أصاب أنفه.
    سأله بحذر متردد: ميعاد التسليم التانى إمتى يا بوص.... أخذ نفساً عميقاً من سيجاره ثم أطلق دخانه في وجه الرجل مرةً أخرى بكبرياء.
    قائلاً بمكر: عيب عليك هوا انا من إمتى وأنا بتفق فى الشارع كده
    ، ده حتى مش حلو علشانك.
    جحظت عيني الرجل بتوتر وقلق من هذا التهديد المبطن وراء لهجة الأخير، وزاد شعوره بالإحراج أيضاً فها هو قد أخطأ من جديد أمامه وهو ليس نداً له.
    قائلاً له باضطراب: خلاص يا بوص هستنى منك تليفون قريب إن شاء الله، تنهد سليم قائلاً ببطء: طبعا هتصل بيك فى أقرب وقت ممكن ولما تكون البضاعة جاهزة.
    كل هذا كانت تشاهده وتصتنت إليه ملك، وقلبها تتعالى ضرباته العنيفة من الذعر الذي يعتريها الآن بسبب ما تعيشه من فيلم رعب مخيف في عالم الجريمة الغامضة.
    لكنها انتبهت لنفسها قائلة بعتاب موجع: فوقي يا ملك ده مش فيلم اللي بتشوفيه ده... دي حقيقة قدامك ورجاله وعصابات عالم تاني خالص غير اللي كنتِ عايشاه.
    ثم صمتت برهةً تبتلع ريقها الذي جف من الفزع مردفه لنفسها مرةً أخرى: يا ويلك يا ملك لو حد منهم لمح خيالك بس، أنا لازم أمشى من هنا بسرعه قبل ما أي حد منهم ياخد باله من وجودي ويشوفنى.
    وبالفعل نفذت ما نوت فعله وجاءت لتتحرك إلى الوراء ببطء شديد وحذر، عائدة بظهرها للخلف... بوغتت بارتطامها بشيء ما قوي في ظهرها فارتعد جسدها بكامله من الخوف وسرت قشعريرة في جميع أنحاء جسدها حتى خُيل إليها أنها ستقع مغشياً عليها الآن.
    وفي لمح البصر وجدت جسدها، محاصراً من خصرها بذراع أيسر لشخص ما يقف وراءها ملتصقاً بها، وقبضته الأخرى يضعها على فمها، منحنياً عليها بجوار أذنها.... وأنفاسه الحارة تلفح جانب وجهها.
    هامساً بصوتٍ كالفحيح: مسمعش منك ولا نفس واحد حتى....






    الفصل الثاني من هنا